افتتحت صباح امس اولى جلسات الحلقة الدراسية التخصصية حول الثقافة والمعلوماتية والمصاحبة لفعاليات الدورة التاسعة عشرة لمعرض الشارقة للكتاب. وقد شهدت الجلسة الصباحية التي دار مداخلاتها وحواراتها عبدالرحمن حسن الشامسي خلال مناقشة اربع ورقات شارك بها كل من الدكتور علي حرب من لبنان والدكتور محمد عايش من الاردن, والدكتورة حصة لوتاه الامارات والدكتورة منى البحر الامارات.. وقد اثارت الورقات الاربع مداخلات وماقشات عديدة حملت هواجس المثقفين والمختصين حول الحوار الدائر عن روافد العولمة وتأثير الوسائط المتعددة على الثقافة وعلاقة التكنولوجيا بالايديولوجيا والاسئلة الحائرة والاخرى المرتبكة غير ان المداخلة الاولى التي قدمها د. علي حرب بعنوان (سلطة العلامة وطغيان المعلومة) حملت في سياق خطابها تفاؤلا وتحديا قائما على مرتكزات الثقافة الاصيلة عند الانسان العربي الذي يصوره د. حرب على انه صاحب ثوابت لا يشك بها وان ما يتحصل من تقنية تفرزها التكنولوجيا ما هي الا امكانات جديدة تفتح المجال للفكر والروح, ودعا د. حرب الى التخلي عن اسئلة الخوف والولوج بهدوء تام الى تيار العصر. وفي مداخلته يتساءل د. حرب: من اي وجه يتهدد عصر العولمة ومجتمع المعلومة الثقافية والهوية والانسانية؟ هل هي الصورة والشبكة ام السلطة والسوق: هل هو التواصل الالكتروني والتبادل الرقمي ام الواقع الافتراضي والغزو الثقافي؟ ثم يدعو د. حرب لفحص هذه الوجوه بلغة المفهوم على سبيل الاستخراج للامكان حتى لا نشهد على عجزنا او حتى لا تهمشنا الاحداث والمتغيرات. بعد ذلك يبحر د. حرب في سبر الاختناقات التي يقف عندها الانسان العربي في مواجهة فهم الاسئلة بوضوح لينتقل الى الحديث عن الصورة والفكرة متسائلا ايضا: هل يتم تدفق الصور والمعلومات عبر الشاشات على حساب القضايا والافكار كما يخشى الكثيرون؟ ان الفكرة لن تنتظر جيلا او سنوات لكي تنتقل من الجامعة الى الناس, فزمن المعلومة هو زمن متسارع يهمل ولا يمهل ومن هنا الحاجة الى عرض الافكار عبر وسائط الاعلام على نحو يوفق بين منطق المفهوم ولغة المعلومة. ويضيف د. حرب ان الفكرة التي لا تجد طريقها الى الشاشة او الى الصحافة تهمل وتموت او يسطو عليها الاخرون ويستخدمونها. ومن الصورة والفكرة الى الصورة والقضية يضرب د. حرب مثالا على صورة الشهيد محمد الدرة وكيف استطاع الاعلام الفضائي ان يوظفها لخدمة القضية القومية من خلال تغطية الخبر وصنع الحقيقة عبر الصورة والمعلومة, مشيرا الى ان الذين يخشون من اجتياح الصور وتدفق المعلومات لا يشهدون الا على ضعف قضاياهم وهشاشة افكارهم.. يستمر د. حرب في عرض نماذجه وامثلته في مقابل وجهات النظر التي تدعو الى كف الولوج في معطيات العصر من منظور ناقص وغير مدرك للمساحة التي توفرها العلوم التكنولوجية والخطاب الذي انتقل الى حالة مغايرة لما كان عليه ومن الحرية والسوق وأثر الاسواق العالمية في صنع القرارات الى الديمقراطية التي تحرف وتزيف في احايين كثيرة والتي يؤكد من خلالها د. حرب على اهمية الشاشة في خلق الديمقراطية الاعلامية او كما يسميها الديمقراطية (الميديائية) والتي تتيح للمرء عبر الحواسيب التزود بالمعلومات بعيدا عن مراقبة السلطات. ويشار الى ورقة د. حرب على أنها قدمت نماذج وأدلة في اوجه الخلاف ووجوه الحقائق لقضية القلق من المعلوماتية واشتراطاتها المرحلية الا ان المجال لا يتسع لتغطية كل ما جاء في الورقة والاوراق الثلاث الاخرى. المداخلة الثانية كانت للدكتور محمد عايش وجاءت تحت عنوان (الدور الثقافي للوسائط المتعددة) معرفا اياها في البدء بقوله ان الوسائط المتعددة في عملية دمج النصوص والصور والصوت والفيديو والرسومات المتحركة في بوتقة تفاعلية واحدة مستندة الى استخدام الشبكات والاسطوانات المدمجة التفاعلية. مشيرا الى ان هذه الوسائط المتعددة جاءت نتيجة لثورة الاتصالات الرقمية التفاعلية التي شهدت تزواج ثلاث صناعات رئيسية هي: صناعة الاتصالات وصناعة الحاسب الآلي وصناعة الترفيه او الاعلام. ويقول د. عايش في مداخلته ان الوسائط المتعددة فتحت افاقا جديدة امام قطاعات الحياة المختلفة حيث اسهمت في خلق ما يسمى بالفضاء الافتراضي من المعلومات فأصبحنا نتحدث عن الفضاء السياسي والفضاء التجاري (التجارة الالكترونية) والفضاء الاجتماعي والفضاء الثقافي وتعد الوسائط المتعددة منفذا مهما من منافذ الفضاء الثقافي الذي يتعامل الفرد في سياقه مع المعلومات في اطار تفاعلي من خلال وسائط رقمية تتمثل في الوسائط المتعددة ووسائل توصيل المعلومات النصية والصوتية والفيديوية بين مصدر الرسالة والملتقين من افراد الجمهور او مستخدمي انظمة الوسائط المتعددة. ثم ينتقل د. عايش الى تعداد وسائط نقل الثقافة متحدثا عن الوسائط الشفوية والوسائط المكتوبة والوسائط الالكترونية والوسائط التفاعلية المتعددة مبينا الفرق بين الوسائط المتعددة وتميزها على الوسائط التقليدية في جوانب قدرتها على الوصول الى الجماهير الراغبة في نهل المعرفة ومنحها مساحة كبيرة للاختيار وقدرة أكبر على الاستقلالية والقدرة على الوصول الى منابع ثقافية هائلة والتواصل المباشر مع الآخرين. الدكتورة حصة لوتاه قدمت مداخلتها تحت عنوان (التكنولوجيا وسؤال الثقافة) مركزة على اشكالية النقل من ثقافة الى اخرى من دون الوعي بالركائز الثقافية الشيء المرحل او المنقول, وهذه مشكلة لا نعاني منها نحن فقط كعرب وانما هي مشكلة امم كثيرة قد تعرضت في فترات انحسارها للغزو البشري وللانتهاكات المادية والثقافية من الغرب ساهم في ظهور فئات من مواطنيها ومن الذين قد وفدوا اليها في فترات الغزو شكل الغرب مرجعيتهم الثقافية والفكرية بحيث اصبحت هذه المرجعية وكأنها تشكل خطابهم الخاص كما اصبحوا المنادين لسيادة انماط التفكير الغربية. ثم تتحدث د. حصة لوتاه عن التكنولوجيا ومركزية البصر مشيرة الى سيادتها مفهوم ثقافة الصورة وهي سيادة لم تكن لتحدث لولا التطور في التكنولوجيا الحديثة مؤكدة ان ما يقابلها في الفكر الاسلامي هو مغاير تماما, فحينما تستند الثقافة الغربية على ثقافة البصر يستند الفكر الاسلامي على البصيرة بل وجعل البصر في محل شبهة. وتختتم د. حصة مداخلتها بطرح مسألة نقل التكنولوجيا وتبنيها كما لو انها ستكون بوابتنا الى الخير والسعادة متناسين اننا في أحسن الاحوال مازلنا مستهلكين لهذه التكنولوجيا والتي يبدو جليا ارتباكنا حيالها ويتجلى هذا الارتباك ليس فقط في النظر اليها على أنها ادوات ليست لها علاقة محددة بأية ثقافة كانت وانما هي تنتمي لمسألة كونية لا تنطبق عليها قضية المكان وهي بالتالي لا تحمل موقفاً فلسفيا ولا اخلاقيا من قضايا الانسان وانما يتجلى هذا الارتباك ايضا في تخبطنا في تسميتها. الدكتورة منى البحر قدمت ورقة تحت عنوان (التكنولوجيا والقيم) ركزت فيها بشكل كبير على الاساس العقلاني الذي بنيت عليه فلسفة الفكر الغربي وآلياته وتقول د. منى: لعل الكثير من المفكرين المعاصرين سواء في العالم الغربي أو في عالمنا الاسلامي يتفقون مع مقولة مارتن هايدجر التي تؤكد ان التكنولوجيا ليست مجرد مجموعة من الادوات. ولكنها هي وسيلة للوصول الى الحقيقة ومعرفة العالم وتحديده. التكنولوجيا كما يقول هايدجر ليست فقط جزءا من العالم ولكنها وسيلة تستخدم لتحديد الواقع في هذا العالم اذن التكنولوجيا بهذا المعنى, لا تعمل فقط على تشكيل تصوراتنا ولكنها في الحقيقة تلعب دور المعيار الذي على اساسه يحدد ماهو حقيقي وماهو ليس حقيقيا. فالتكنولوجيا ليست وسيلة محايدة كما يشاع عنها بل هي مؤدلجة, وهناك خلفية ايديولوجية معينة تقف وراءها. وبناء عليه فإن أي اجراء أو فعل يتم في اطار هذه التكنولوجيا يكون عبارة عن انتاج او اعادة انتاج لهذه الايديولوجية) وهنا طبعا تكون الايديولوجيا المنتجة لهذه التكنولوجيا). وهنا يكمن الخوف, ان هذا هو سبب المخاوف المختلفة, المطروح من قبل المفكرين حول تأثير التكنولوجيا الثقافي والاجتماعي. وتضيف د. منى البحر: ان التكنولوجيا الحديثة التي بين ايدينا اليوم هي تكنولوجيا غربية, وما نحن إلا مستهلكين لها. وبما انها انتاج المجتمع الغربي فهذا بدوره يعني انها انتاج الفكر الفلسفي الغربي وآلياته. فمن الملاحظ ان التكنولوجيا الحديثة يقدم لنا شكلا من اشكال العقلانية المشتتة. أو بالاحرى القائمة اساسا على عقلانية ديكارت, تلك العقلانية القائمة على ما يسمى (النموذج الكمي) حيث تقوم هذه العقلانية او هذا النموذج الى الاعتقاد ان الطريقة العلمية هي الوسيله الافضل للحصول على معرفة موضوعية وذات مصداقية عالية. وان العالم ما هو الا عبارة عن منظومة ميكانيكية مكونة من عدة اجزاء مادية يمكن تحديدها وقياسها. وان الحياة في المجتمع هي نضال تنافس يتم فيه البقاء للافضل وان التقدم غير المحدود يمكن ان يحقق بواسطة النمو الاقتصادي والتطور التكنولرقمي. هذا الفكر العقلاني, الذي يهيمن على معظم نظم التربية والمؤسسات الاجتماعية, والسياسية, والذي يعتبر كما ذكرت آنفا ان الطريقة العلمية هي الطريقة الوحيدة للمعرفة المقبولة يرفض بناء عليه, وجود اية معرفة أو وعي حدسي, او في الحقيقة يرفض اي معرفة لايمكن تحويلها الى مادة يمكن تحديدها وقياسها. وتؤكد د. منى البحر: انه بناء على هذه الخلفية النظرية تم التعامل مع كثير من السلوكيات والممارسات الانسانية بل مع الانسان نفسه على اساس هذا المبدأ فعلى سبيل المثال لو ننظر الى كيفية تعامل التكنولوجيا الطبية كشكل من اشكال المعرفة العلمية, مع جسد الانسان. فنلاحظ حسب التكنولوجيا الطبية الحديثة, ان جسد الانسان هو عبارة عن ظاهرة مادية أو شيء مادي بعيد ومختلف عن التجربة الانسانية والشخصية للانسان. بشكل مختصر التكنولوجيا الطبية الحديثة تنظر الى الجسد والروح على اساس انهما كيانان منفصلان الاول مادي والآخر ذاتي. تغطية: مرعي الحليان ، أشرف الشكعة