رغم جميع الشواهد الحضارية على الوجود الاسلامي والعربي التي ما زالت حية وشاهدة على عراقة وعمق الفكر الاسلامي, الا ان الشيء الأهم هو ذلك الشعور الدفين والذي لا يمكن قراءته الا من خلال السطور في مد جسور الثقة والمودة ما بين الشعوب العربية والشعب الاسباني. جاء ذلك في محاضرة بعنوان (اثر الحضارة العربية في الثقافة الاسبانية) والقاها خوسيه رامون نافاروا) المستشار الثقافي الاسباني السابق في مصر مساء امس الاول في مقر (ندوة الثقافة والعلوم) في دبي افتتحت بها موسمها الثقافي الجديد وقدم المحاضر بلال البدور امين سر الندوة مؤكداً بان المحاضرة تأتي في اطار سلسلة من اللقاءات تجسد التوجه الجاد للمؤسسة في تعميق الاواصر الثقافية بين الحضارات المختلفة. واستعرض المحاضر جذور نشوء الثقافة الاسبانية التي هي نتاج تزاوج ثقافي معقد استغرق قروناً وهذا التزاوج ارتبط بالوجود الحضاري والثقافي لأمم عدة اقامت على ارض اسبانيا الحديثة وصبغت واقعها الثقافي بما جلبته من مخزونها الحضاري. وبين المحاضر ان التأثير الابرز بين كل الحضارات التي توافدت على شبه الجزيرة الايبيرية يتجسد بالبعد الاجتماعي للوجود الحضاري الاسلامي الذي لم يقتصر على التطلعات الاستراتيجية المباشرة التي صبغت الحملات التقليدية لتلك الفترة, حيث شمل هذا الوجود كافة مجالات الحياة ولم يتوقف على المصالح الاقتصادية أو (الاستعمارية). واكد (نافاروا) على أن القرون الثمانية التي قضاها العرب في اسبانيا انعكست على اللغة والدين والعادات والتقاليد والعمارة. ثم تطرق المحاضر الى أهم تعبيرات التبادل الثقافي حيث اشار الى ان اللغة الاسبانية تحتوي على مفردات من اصل عربي تصل نسبتها الى 50 ــ 60 بالمئة من اللغة الاسبانية, وساق على ذلك أمثلة عديدة ككلمة (سكر) التي ترادفها بالاسبانية (اسوكر) وساقية (ساكيّة). واشار (نافاروا) الى لغة (الحاميادة) التي مازالت متداولة في بعض الاقاليم الاسبانية وهي بالاصل لغة عربية تكتب بأحرف لاتينية. وجسد النص القرآني وسيلة اساسية في رواج اللغة العربية وذلك لإعتناق نسبة كبيرة من السكان المحليين أو الملقبين بالمستعربين الديانة الاسلامية. ومن النشاط الثقافي الفاعل الذي شهدته اسبانيا خلال الوجود العربي الاسلامي ازدهار دور النسخ, حيث كانت الاندلس معقلاً علمياً وتنويرياً. ومن المعالم التي تركها العرب في اسبانيا كان التقييم الاقليمي للاراضي الاسبانية, حيث حملت هذه التقسيمات الاقليمية اسماء عربية كأندلسيا واشبيلية وقرطبة وبرشلونة واشار الى المغالطة في اطلاق اسم الاندلس من قبل العرب حاليا على كافة اراضي اسبانيا الحديثة حيث ان اندلسيا هو اقليم من مجموعة اقاليم اخرى كانت تحت النفوذ العربي الاسلامي. وركز المحاضر على اللبس حول حقيقة هوية التأثير الاسلامي, الذي يعتبره البعض اثراً عربياً خالصا وبين ان الوجود العربي كان الى جانب ثقافة اسلامية شاملة حملت في طياتها ثقافات شعوب اسلامية اخرى كالفارسيين, مع تنويه لبروز الهوية العربية التي تعتبر الواجهة الرئيسية للثقافة الاسلامية. واشار المحاضر الى ان الوجود الاسلامي كان في ظل تناغم وانسجام مع الثقافة الاسبانية المحلية, حيث كان التأثير متبادلاً بين العرب والاسبان وفي هذا السياق أثار المحاضر طبيعة الوجود اليهودي في اسبانيا الذي كان مصدراً للفتن واشعال الحروب والنزاعات وحدد هذا الوجود منعطفات تاريخية مهمة. وفي نهاية اللقاء أثار الحضور عدة نقاط محورية حول الوجود الثقافي والحضاري العربي الاسلامي في اسبانيا كقضية محاكم التفتيش التي رافقت اجلاء العرب من اسبانيا, واعتبرها المحاضر جزءاً من التطهير الثقافي الذي انتهجه ملوك الاسبان ضد العرب وكما اثير دور المثقف الاسباني ونظرته حيال الوجود العربي وما لحقه من ظلم مأساوي في مرحلة الجلاء, حيث اكد المحاضر ان نسبة قليلة من الباحثين تعي هذه الحقيقة وان ما رسخ في الذاكرة الجمعية الاسبانية هو الشعور بالمرارة تجاه الوجود العربي الاسلامي على اراضيهم والتركيز على الجانب (الاستعماري) لهذا الوجود من وجهة نظرهم. كتب باسل أبو حمدة: