حري بمن يتصدى للحديث عن شاعر بمواصفات فاروق شوشة أن يكون ملما بالموسيقى وعلى دراية بكتابة النوتة الموسيقية, وحري به بدل أن يقدمه للناس في كلمة مكتوبة أو منطوقة أن يعزفه للناس في قطعة موسيقية, فهو شاعر لا يكتب الشعر لمجرد الترف بل يضع القارئ نصب عينيه ليلمس رد فعله وتقبله وتفاعله, شاعر حديث ومعاصر ولكن بلغة سليمة بسيطة وجميلة, معفاة من السقطات واللحن, مبرأة من الغموض والآحاجي. بهذه الأسطر وهي جزء من ورقة ألقاها الأديب عبدالعزيز إسماعيل في تقديمه لأمسية الشاعر فاروق شوشة التي استضافها معهد الشارقة للفنون ضمن فعاليات الأيام الثقافية المصرية المتواصلة في الشارقة لغاية السادس من أكتوبر الجاري. أمسية فاروق شوشة جاءت كما كانت متوقعة, هادئة شعرية تعرض لنا تجربة شاعر عربي كبير, واسم مرموق في سياق التجربة الشعرية العربية, ولعل هذه الأمسية جاءت في وقتها لترفع قليلا من سوية الأنشطة التي شهدناها على مدى اليومين المنصرمين من عمر الأيام الثقافية المصرية. استهل الشاعر أمسيته بتحية خاصة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة (هذا الحاكم المثقف الذي لا يوفر جهدا في دعم الثقافة وتسهيل سبلها ومتطلبات نموها وارتقائها) . تنوعت قصائد الشاعر فاروق شوشة في هذه الأمسية, فمن قصيدة (الشهيد) التي كانت أولى قصائد الأمسية وتحية لكل الشهداء العرب إلى قصيدة (أيها الصيف الذي ولى سريعا) وهي قصيدة وجدانية غنية بالتوظيفات والصور والبناء المتماسك لجسد القصيدة التي أراد فيها أن يراجع أيام الصيف الآفلة كيف مرت وإلى أين ستمضي, قصيدة تمر على صيف الشعب الفلسطيني, صيف الشعب العراقي بكل الخراب الذي يعيشه يقول فيها: (لم تزدنا أيها الصيف الذي ولى سريعاً خبرة بالوقت أوعياً بما سوف يجيء من لغات الليل أو كشفاً لما يزحمنا من وحل العمر وأحزان البحار كما تمنينا لو انهملت علينا بنثارات من الأنس الذي تحمل كي يشرق فينا) . ويمضي شوشة بين عوالم قصائده عن الصيف إلى (رحيل المغني) , مرورا بـ (وجه أبنوسي) , متناولا النيل هذا الكائن الأزلي, الذي تحول من أسطورة تمنح الحياة والموت, إلى جسد مريض يشكو غربته ووحدته لأناس لا يسمعون إلا أنفسهم, ويقول: ما الذي غير النهر صار بلون الدماء وماذا تبقى لها غير طعم المرارة عبأت رئتيها بفيض النسيم ومضت نازفة لم تكن اطلالة شاعرنا هذه في الأمسية طويلة, أرادها جرعة شعرية, ونافذة لمساحدة بوحية تتلاقى فيها الكلمة بالمعنى, والمعنى بالدلالة والدلالة بالصورة المشرقة, ليختم في قصيدة تحمل عنوان (للعبير اختناق) وهي قصيدة كتبها الشاعر خلال زيارته الأولى للعراق بمناسبة الاحتفال بعيد المرأة العالمي, وفيها يقول: أخرستني العيون والأحداق فكلامي الشرود والاطراف الخطى لهفة وبعض انعطاف النفس وجد ولهفة واشتياق وجناحان من جنين يرفان فهذا المدى ضحى وانعتاق قيدتني سبيكة العطر فارتعت وللعطر سطوة ووثائق) . الشارقة ـ البيان