يعد سوق الحميدية في دمشق من أجمل أسواق العالم, زائره لا يمله من التجول بين محاله, وله شهرة عالمية واسعة, فهو يبدو كأنه معرض دائم متجدد العطاء يستدرج الزائر إليه, متأملاً جمال البضائع الدمشقية المعروفة في مخازنه, وحسن معاملة التاجر للزبون وملاطفته وكيفية إقناعه بالشراء, ويتابع الزائر جولته بفرح ونشوة غامرة وهو يشاهد هذه الروائع, أوان فضية, وثريات زجاجية, ومصابيح ملونة .. أشياء تتدلى من أمكنة مختلفة حاملة دفقها العذب وتألقها اللامتناهي .. حتى يصل به المطاف إلى نهاية السوق حيث يطالعه جمال وفن عمارة المسجد الأموي, ليخرج بعدها الزائر بانطباع مميز عما شاهده من روعة في الدقة والاتقان. بني الجانب الغربي من سوق الحميدية في عهد السلطان عبدالحميد الأول وعرف بالسوق الجديد وذلك في عهد والي دمشق راشد ناشد باشا فقد بني القسم الشرقي منه الممتد من سوق العصرونية وحتى باب البريد, وذلك في عصر السلطان عبدالحميد الثاني. ومن هنا جاء اسم السوق سوق الحميدية, وقد أدى تنظيم السوق الى هدم باب النصر عام 1863 م ويعرف السوق أنه كان ممراً للحجاج الذاهبين الى بيت المقدس وها هو اليوم يستقبل مئات الزائرين المرتبطين معه من كل أنحاء العالم سواح وعابري سبيل وضيوف .. وما زالوا يترددون باستمرار عليه ليحصلوا على تأشيرة مرور الى المناسبات السعيدة التي لا تكتمل بهجتها إلا بشراء لوازمها من سوق الحميدية, ففي هذا السوق الأحلام تمشي على قدمين, فالابتسامة لا تغيب عن الشفاه, فأناسه دائماً متفائلون وهم مقبلون على شراء مستلزمات المناسبات السعيدة, فمنهم العروس, التي تستعد لحفل زفافها ورب الأسرة التي يتجول لشراء حاجياته. يعد السوق مركزاً تجارياً هاماً, ففي الليل والنهار شوارعه لا تخول من آلاف المواطنين الذين يضخون نبض الحياة في شرايينه وهمي يتنقلون بين محاله المتراصة على الجانبين بحثاً عما يناسب أذواقهم من بضاعة معروضة على واجهة المحلات الصغيرة في الحجم والكبيرة في الشهرة والجودة, فالمشترون مشغولون في اختيار ما يناسبهم من الهدايا والتحف للمناسبة التي تستعدون لإقامتها .. وأصحاب المحلات يتنافسون في عرض أفضل نماذج بضائعهم لجذب المشترين من السياح الأجانب الذين يؤمون السوق ليشتروا ما يناسبهم, فقد كان وما زال محط انظارهم واهتمامهم حيث يعد السوق من اكثر الاسواق ازدحاما بالناس فهذا المزيج العجيب من الاختلاط يؤلف فصلا حيا في سياق ذاكرة حية للمكان يمعن السوريون في حبه والارتباط به ضمن تاريخ موغل في الخيال والقدم يألفونه ويجالسونه, مكان قادر على صناعة مشهد يومي متجدد في قدمه متعدد في وجوهه, وبين غرب السوق وشرقه تقوم الدنيا من الساعة الخامسة صباحا ولا تقعد الا عند العاشرة ليلا, ففي الوسط تتعثر الاشياء وتتناثر في فوضى منظمة.. بائعون يفترشون الارض يعرضون اشياء السوق, اناس بمختلف الاعمار, شيوخ يجرون سني اعمارهم, طلاب يتصيدون احلاما في فسحة المدرسة وأصوات اكثر من لغة بشرية ولهجات من شمال سوريا وغربها وشرقها وجنوبها, نعم انه سوق لبيع مستلزمات مناسبات الزفاف واعياد الميلاد والتحف بأسعار تناسب كل اسرة مهما كان مستوى دخلها بالاحتفال والفرح دون ان ترهق ميزانيتها, انه مكان سطع في الذاكرة. فهو تاريخ عريق وماض مجيد بأناسه المرتبطين معه ضد مرايا المراكز التجارية الجديدة. دمشق ـ محمد عبدالعال