استطاع الشاعر الغنائي محمد حمزة أن يثري الأغنية العربية منذ الستينات من أواخر القرن الماضي , قدم خلالها أكثر من 200 أغنية لرواد الغناء العربي.. عبدالحليم حافظ وفايزة أحمد ووردة الجزائرية وشادية ومحمد رشدي.. الخ. وعلى الرغم من تردي حال الأغنية اليوم, إلا أنه مصر على العطاء وكان له الفضل في تدشين عدد من المطربين الذين تربعوا على الساحة في السنوات الأخيرة, ومن بينهم على سبيل المثال: أصالة وسمية قيصر وأنغام. له وجهات نظر مهمة فيما آل اليه حال الغناء اليوم.. ومن هنا تأتي أهمية حوارنا معه. لماذا تراجع الغناء العربي.. وما الفرق بين الأغنية زمان والآن.. وكيف تربع الرواد على عرش الغناء, وما السبب في بقائهم وزوال الآخرين؟ أسئلة كثيرة واجهنا بها محمد حمزة والتفاصيل في الحوار التالي: * ما الفرق بين كلمات الأغاني القديمة والآن؟ ـ الفرق شاسع, زمان كان فيه تركيز, والناس كان لديهم الوقت للاستماع والتذوق, وغير صحيح ما يدعيه البعض الآن من أن هذا الزمن مادي ولا وجود فيه للرومانسية, فالحب موجود في كل العصور, لكن المسألة أصبحت تجارية بحتة, وأصبح الغناء مرتبطا بالفلوس, أي شخص يشعر أن صوته حلو, ومعه نقود تمكنه من تعبئة شريط كاسيت, سوف يقتحم اذننا بصوته, مجرد كلمة غريبة, ليس مهما الموضوع المهم كم مليونا تبيع. من قبل كان شاعرا مثل حسين السيد, وهو الأستاذ في كتابة الأغنية القصة مثل (ساكن قصادي) و(بافكر في اللي ناسيني) يبذل جهدا جبارا للوصول الى المعاني. مرسي جميل عزيز يغزل بيديه الكلمات: (الحلوة داير شباكها.. شجرة فاكهة.. ولا في البساتين .. والحلوة م الشباك طاله يحرسها الله ست الحلوين) . مأمون الشناوي أشعر كتاب الأغنية, كان مملكة وحده حين يكتب يقول: (بتخاصمني حبه.. وتصالحني حبه.. كل شوية تغضب كده من غير مناسبة) . من ينسى هذه الكلمات الجميلة الباقية..؟ أين ذهبت الكلمة الحلوة؟ لماذا لم نعد نسمع أغاني الفلاحين والأغاني الشعبية الأخرى؟ لقد اختفى كل ذلك في طوفان الكاسيت. * هناك أصوات كثيرة لاتصلح للغناء ورغم ذلك لديها القدرة على التواجد والانتشار.. لماذا؟ ـ وراء هذه العاصفة من الغناء والأصوات والشرائط المزدحمة في المحلات ساحر اسمه مهندس الصوت, قادر على تحويل صوت عبدالفتاح القصري الى مطرب عاطفي حنون! لهذا السبب قفزت أسماء مهندسي الصوت الى أغلفة شرائط الكاسيت, وأصبحوا نجوما, ولهذا السبب أيضا أصبح لدينا عدة آلاف من شركات الكاسيت يبدو من باب المنطق أنها تنتج لآلاف من المطربين المعروفين والسريين, ولولا الأجهزة الحديثة التي تعمل بها هذه الشركات لاعتزل أغلب مطربي هذه الأيام تقريبا, فهذه الأجهزة تعطي المطرب صوتا آخر لا علاقه له بصوته الأصلي, ومنتج شريط الكاسيت أصبح هو المتحكم في حال الأغنية, فهو الذي يحدد نوعية الأغاني ويفرضها على الجمهور, وهو الذي يقول أريد شعبيات, إيقاعات, تصفيق,.. الخ. وهكذا تحولت الأغنية على يديه الى اعلانات تومض مثل (الفلاش) لمدة محدودة من الزمن ثم تنطفئ. * هل يمكن الاستغناء عن أحد أضلاع المثلث: الكلمة والصوت واللحن؟ ـ لا لابد من اكتمال الأضلاع الثلاثة, الصوت الجيد والكلمة الجيدة وكذلك اللحن. * ما الفرق بين الألحان القديمة والألحان الحديثة؟ ـ التمايز, عندما تستمع الى موسيقى (أهواك) أو (أنا قلبي اليك ميال) ستقول فورا هذا هو عبدالحليم وهذه هي فايزة أحمد. الآن عندما تستمع الى أغنية جديدة تجدك قد سمعتها بشكل أو بآخر من قبل, وهذا لا يمنع بالطبع من و جود ملحنين مجتهدين مثل صلاح الشرنوبي وزياد الطويل ومحمد ضياء وغيرهم. * هل أضرت الآلات الغربية بالموسيقى الشرقية الأصيلة؟ ـ الآلات الغربية لو وظفت بشكل صحيح تزيد اللحن ثراء وهناك كثير من الملحنين استخدموها جيدا مثل محمد عبدالوهاب في أغنية كوكب الشرق (هذه ليلتي ) , كذلك طوع الأورغ وجعله يقول (ياليل ياعين) . أيضا (الساكس) لم يكن به ربع تون, بليغ حمدي طوعه لأن يقول نغمات شرقية وأصبح مفاجأة بالنسبة للجميع. طبعا الكثيرون ممن يستخدمونه الآن يظنون أنه إختراع جديد لكن عبدالحليم حافظ وشادية ومحمد رشدي وغيرهم استخدموه منذ فترات طويلة, والأكورديون استخدم مع الناي في أغنيات كثيرة, وبالتالي الحداثيون لم يقدموا جديدا, بالعكس الذي حدث أنه شاع استخدام الآلات الغربية أسوأ استخدام في أغانينا الآن بحيث تبدو نشازا في اللحن. * هل صحيح أن الشاعر محمد حمزة قرر التوقف عن الكتابة للأجيال الجديدة؟ ـ لا, باستثناء عمرو دياب ومدحت صالح فأنا أكتب للكثيرين ولم أتوقف, أصالة نجحت من خلالي, وكذلك سمية قيصر وفاطيما وهشام نور, وقدمت أغاني لسميرة سعيد في آخر شريط لها, ومن الوجوه الجديدة كتبت لجيهان مراد وزكية وغيرهما. * لماذا عمرو دياب ومدحت صالح؟ ـ عمرو دياب تطاول على عبدالحليم حافظ وعلى أغنية أنا مؤلفها وهي (زي الهوا) وقال كلاما اعتبرته قذفا في حقي, ووصل الأمر للقضاء, وتمت محاولات مختلفة للصلح, وأنا أعتبر عمرو دياب أكثر أبناء جيله ذكاء رغم أنه أقل موهبة, ولم أتوقع أن يخونه ذكاؤه ويقول كلاما يؤخذ عليه. أما مد حت صالح فهو خامة جيدة, قدمت له أغنية (حكاية وردية) فوضعها في نهاية الشريط وغضبت من هذه المسألة. أيضا لايصح أن يظلم نفسه ويظل لفترة طويلة يغني خلف راقصة في إحدى المسرحيات! * هناك أصوات كثيرة ممتازة مثل على الحجار ومحمد الحلو وغادة رجب وغيرهم.. لماذا لاتتعاون معهم؟ ـ ليسوا مقاتلين, ولا يوجد عندهم الطموح الكافي, محمد الحلو يذهب للغردقة فترات طويلة, ثم يأتي الى القاهرة لكي يقدم أغنية وانتهى الأمر, على الحجار كذلك صوت ممتاز ولكنه مستسلم في هذا المناخ الرديء. أيضا هناك ظروف صعبة مرت بها أصوات ممتازة مثل سوزان عطية وابتعدت عن الغناء, نفس الظروف مرت بها نادية مصطفى, لديها أربعة أبناء مشغولة بهم, وأنغام دخلت فترة طويلة في دوامة المشاكل الأسرية أثرت عليها بلا شك, وبالنسبة لغادة رجب فهي صوت ممتاز طلبت مني أغنية ووافقت, وعندما حدثني أبوها قال كلمة لم تعجبني فتراجعت, حيث فوجئت به يقول لي (على فكرة دي مش مطربة عربية) ! مع العلم أنني لم أكن قد طلبت شيئا حتى يقول هذا الكلام. * ماذا تقصد بالقول أن البعض ليسوا مقاتلين؟ ـ لاتوجد رغبة حقيقية في بذل الجهد لتقديم فن راق, مثلا أغنية (قارئة الفنجان) استغرقت ثلاث سنوات من المناقشات والبروفات والتعديلات بين عبدالحليم ونزار والموجي, أما الآن فإن أحسن أغنية يتم كتابتها وتلحينها في عشرين دقيقة, تحتاج الى مثلها في الاستوديو, ليخرج على الناس ما نسمعه الآن من أغنيات (مسلوقة) وفن هابط. ويضيف حمزة.. زمان طلع عبدالحليم حافظ في حفلة وغنى (فاتت جنبنا) فصفق له عشرة, ولم يستقبلها الناس جيدا, لم ييأس وغناها في حفلة أخرى فصفق له مائة حتى أصبحت ملء الأسماع. الآن, غنى هاني شاكر ذات مرة أغنية (هو اللى إختار) وعندما شعر بأن الجمهور لم يستقبلها جيدا لم يكررها مرة أخرى. * وبماذا تفسر نجاح بعض شرائط الكاسيت هابطة المستوى وتوزيعها بالملايين؟ ـ هي شرائط تشبه النكتة, تضحك عليها للمرة الأولى, وعندما يعيدها أحد عليك تقول له (قديمة) . أتحداك أن تجد شريط (لولاكي) يحتفظ به أحد الآن, أو شريط عدوية الشهير (السح الدح امبو) أو شريط (كامننا) هذه نماذج للأغاني الهابطة التي تشبه النكتة, لها تاريخ انتهاء صلاحية شهر, شهرين, وانتهى الأمر. أيضا هذه الظاهرة تحمل في داخلها عوامل فنائها, ولو تركت هذه النوعية من الأغاني للطبيعة, ستموت وتختفي, لكن الأمر لايبدو على هذا النحو, إذ أن كل موجة جديدة تأتي أسوأ مما قبلها, فقد كانت ظاهرة عدوية أخف وطأة من حمدي باتشان والأخير أقل خطرا مما نسمع عنه في الأسواق الآن. * أين تكمن المشكلة بالنسبة للأغنية الجديدة؟ ـ للأسف لاتوجد أفكار جديدة, وأغلب الأغاني مسروقة بصورة أو بأخرى من أغانينا القديمة, يعني تقليد مشوه للأصل الجميل, مثلا إيهاب توفيق يغني (أمر ياقمر أمرك ماشي) مأخوذ من أغنية شهيرة لعبد الحليم حافظ تقول (عشانك ياقمر أطلع لك القمر) . أغنية هشام عباس (عيني) مأخوذة من أغنية شهيرة لشادية اسمها (الحب الحقيقي) . مصطفى قمر يغني (وعزة نفسي تمنعني) وهي أغنية شهيرة لأحمد رامي تغنيها أم كلثوم. (وعزة نفسي منعاني) وكذلك حميد الشاعري سجل رقما قياسيا بعدد المرات التي وجد نفسه فيها متهما بالسرقة, سواء بنقل الكلمات أو الالحان, وأمام نقابة الموسيقيين دارت فصول معارك كثيرة تراشق خلالها الفنانون الشبان باتهامات السرقة والانتحال. القاهرة ـ أحمد عيد