في احدى الندوات الثقافية الموازية للحفلات الغنائية في مهرجان الاغنية السورية الذي اقيم مؤخرا طرح احد الباحثين سؤالا مهما مفاده: هل التراث الموسيقي العربي للمتاحف.. أم للحياة؟ تبدو الاجابة عن هذا السؤال بداية للمرحلة الاولى ولكنه على صعيد الدراسة الكاديمية تبين انه يتطلب الكثير من البحث والدراسة والتقويم واستعراض الآراء المطروحة حولها والتي قد تكون على كثير من التباين والاختلاف. وقد كان مهرجان الاغنية السورية الثاني الذي اقيم في مدينة حلب مناسبة مهمة لطرح مثل هذا الموضوع من خلال ندوته الثقافية التي شاركت فيها نخبة من الباحثين والدارسين في هذا المجال, علما ان موضوع التراث المعاصر في مجال الموسيقى والغناء كان القاسم المشترك لندوات تلك الدورة. وعاد السؤال من جديد: هل التراث للمتاحف.. ام للحياة؟ ويمكن ان نلخص محاولات الاجابة عن هذا السؤال الكبير من خلال الاستعراض المكثف التالي لما طرح في الندوات الأربع والتي ناقشت الموضوع. هناك من اكد بقدسية التراث ونادى بعدم المساس به بحجة التعديل او التغيير او التطوير.. وهناك من اكد ان التراث ليس (تابو) بل هو جهد موروث من الاسلاف للأخلاف, لابد من نبشه ودراسته وتعديله وتطويره ليكون ملائما لظروف الحياة العصرية التي اصبحنا فيها نلتقط الغناء والموسيقى من الاقمار الصناعية وليس من آلة الجرامافورن. وعندما تحدث المنتدون عن التراث لم يتوقفوا عند تراث الاقدمين فحسب, بل حتى عند ما تركه لنا المعاصرون من الموسيقيين والملحنين والمطربين منذ بداية هذا القرن وحتى منتصفه. دار النقاش على مدى نحو 20 ساعة استغرقتها الندوات الاربع, واحتدم الحوار وكل فريق ينتصر لرأيه حتى تم التوصل الى ما يشبه الاتفاق حول موضوع التراث الموسيقي والغنائي (الكلمات واللحن) وهذا الاتفاق يقول: هناك معطيات في التراث يجب ان تظل متحفية.. اي ان تحفظ كما هي دون تعريضها لما قد يصبح نوعا من التشويه, وهناك معطيات في التراث, تصلح للآن وللمستقبل اذا ادخلت عليها عمليات التطوير دون المساس بالجوهر, ذلك لأن مثل هذه الاعمال لم توضع في الاساس لتكون لأيامنا فقط, بل يمكن ان تكون لكل الازمان. واذا كنا نطرب ـ مثلا ـ لمطربة قديمة تصدح بصوتها الرائع وهي تقول: (لي لذة في ذلتي وخضوعي) فإن منطق العصر الذي يقبل هذا اللحن, يجب ان يرفض هذا الكلام الذي فيه مهانة واضحة لإنسانية المرأة. واذا كنا نطرب معجبين بصوت عبدالوهاب يردد من كلمات وقصائد احمد شوقي اروع القصائد, فاننا يجب الا ننسى ان عبدالوهاب غنى لشوقي نفسه اغنية عادية يقول مطلعها (انت انت ولا نتش داري) .. ومثل هذا اغنية بارعة الجمال يؤديها اهالي حلب يقول مطلعها: انا واخدك على ضرة وان ما عجبك انت حرة. وقد اورد الباحث نجاة قصاب حسن في بحثه (عناصر الاغنية) امثلة كثيرة في هذا المجال, ودعى الى فكرة تطويع الوزن للمعنى, والمعنى للمقصد, اذ انه يعتبر الاغنية ـ مهما كان شكلها ـ نصا في الدرجة الاولى, اي كلمات ولذلك (فما من اغنية تستحق هذا الاسم اذا لم يتوفر لها نص ملائم, شعرا كان ام زجلا, معبرا عن الغاية, جامع مانع, يناسب الموضوع لغة ومستوى ومعان وتوافقا رشيقا مع الغاية حتى يحيط النغم بالكلمة احاطة السوار الجميل بالمعصم الرشيق, ويخلو من اي تناقض, فالنص حامل للمعنى, ويجب ان يدعم هذا المعنى بخصائص الموسيقى, وليس هذا وقفا على جانب دون سواه, وانما يتجلى التوافق في ادق خلجات الاغنية, وعنصري الكلمة واللحن وفي الاداء والاخراج) . ومن هنا فإن كاتب النص يجب ان يختار لكل موقف وعاطفة ما يناسبهما من كلمات وايقاع وقافية. الخلاف الذي يطفو على السطح من هنا فإن هذا الموضوع اكبر من ان نحصره في نوع من الاختلاف في الرأي والذي يطفو على هذا السطح, ويضيع القارئ او المشاهد او المستمع.. بين التعريفات المطروحة بنوع من السطحية ومنها التسميات التي تطلق على ما يسمى: الاغنية الشبابية, الاغنية القديمة, الاغنية الاصيلة, اغنية الايقاع, اغنية الطرب, الاغنية الصرعة, وكذلك الامر بالنسبة للموسيقى, والحوار الحاد حول ادخال آلة حديثة الى التخت الشرقي, أم ابقاء هذا التخت على حاله.. خاصة واننا اصبحنا في زمن تحتل فيه آلة (الاورج) مثلا مكان الصدارة لأنها تعزف بأصوات الآلات المختلفة وبإيقاعات مختلفة, حتى ان احدى تسجيلات اغنية المطربة وردة الشهيرة, وهي (بتونس بيك) تم تسجيلها دون فرقة موسيقية واكتفت الجهة التي قامت بتسجيلها باستخدام (اورج) متطور يصاحبه ضابط ايقاع.. وبنوع من التحدي الذي يقول: يمكننا بآلة اورج مصاحبة بالرق ان نستغني عن الفرقة الموسيقية. الموطن الاول على ان جميع الدراسات والبحوث التي طرحت وتطرح حول هذا الموضوع تؤكد ان بلاد الشام كانت محطة اساسية لعدد كبير من الامم التي ارتادتها وغادرتها تاركة فيها حضارات في جميع نواحي العلم والادب والثقافة والفن, كما يقول الباحث خضر جنيد, كانت بلاد الشام, وما تزال, جسرا يربط بين قارات اسيا واوروبا وافريقيا, بل ان اهم التحركات الفنية انطلقت من هذه المنطقة, مثل هجرة الموسيقي المشهور (ابن الحسن علي بن نافع مولى المهدي العباسي) والملقب بـ (زرياب) , والذي ترك بغداد مهاجرا حتى وصل الى الاندلس ومكث فيها بقية حياته.. هذه الهجرة مهدت الطريق امام العلوم الموسيقية للكثير من اعمال ومؤلفات الباحثين والشراح امثال: الكندي, الفارابي, ابن سينا, مما ادى الى وجود ثقافة موسيقية علمية اصيلة انبثقت عنها فوائد عظيمة اكتسبها الغرب واعتمدها لنفسه, في حين يتوه عنها اصحابها الاصليون. وهكذا فإن هذه العلوم والآداب والفنون في بلاد الحجاز وأمية وبني العباس انتقلت عبر بلاد الشام حاملة معها التطعيم الى بلاد الاندلس حيث افتتحت المعاهد والجامعات, وانتشر الشعر والتوشيح والغناء والعزف الآلي بشكل جعل عيون الغربيين الاوروبيين تنفتح على كل ذلك وتنهل منه, ثم تسوقه الى اصحابه الاصليين في الشرق. واذا كانت الآراء التي تطرح لمادة حول هذا الموضوع لا تصل الى رأي فيصل بل الى حلول تدخل فيها التوفيقية, الا ان منطق الاحداث والتاريخ يؤكد ان التراث يمكن ان يكون في بعض حالاته متحفيا, حتى لا تدخله اسباب التشويه التي قد تفقده اصالته, ولكن الكثير منه في الوقت نفسه يمكن تطويره وتجديده دون المساس بالجوهر الاصلي, ليكون جديرا بالحياة العصرية بحيث يغني هذا الجانب الحضاري المهم من تاريخ الشعوب, وقد كانت الموسيقى, منذ القديم, عنوان التطور الحضاري للانسان منذ ان نفخ في قصبة مثقوبة قبل آلاف السنين, وحتى هذا اليوم الذي تطورت بين يديه الآلات لتجدد الموسيقى وتجدد الحياة. دمشق ـ فاطمة حمود