أصبح الجسد معتلا والمرض يحتويه.. هكذا وصل حال المسرح في الكويت الذي انفض من حوله مريدوه. فقد اندثرت الفرق الاهلية عمليا ولا يوجد فنانون يقدمون اعمالا يساهمون فيها بامكانياتهم, ثم يأخذون العائد منها ويستردون ما دفعوه.. اشياء كثيرة من هموم فرق القطاع الاهلي نسمعها ونحفظها عن ظهر قلب وذلك منذ سنوات. ماذا يريد اهل المسرح من المسرح؟ لماذا نشطت فرق القطاع الخاص واصبحت في الريادة فيما فرق القطاع الاهلي في الكويت ترقد في غرف الانعاش؟ مكثت فترة طويلة وانا اقلب في الدفاتر من دون ان اصل الى شخص معين, قلت: ما المانع في لقاء من عايشوا المسرح, ابان صحته ونشاطه ولازموه في علته؟ ووجدتني ألملم الاوراق واتجه الى رواد الحركة المسرحية سواء في القطاع الخاص او الاهلي وادير معهم هذا الحوار: سألت المنتج والمؤلف محمد الرشود صاحب الرصيد الهائل من النجاح الجماهيري والايرادات: * كيف استطاعت عروضك المسرحية ان تستقطب هذا الكم الهائل من الجماهير والنجوم وتحقق انتشاراً كبيراً, هل توقف فرق المسرحية الاهلية ساهم في نجاحات المسرحية؟ ـ اود ان اقول ان العروض المسرحية التي قدمتها لم تستقطب الناس بقدر ما وصلت الى الناس ولمست وتر قلوبهم. * ماذا تقصد بوتر القلوب؟ ـ اسعدتهم.. اضحكتهم.. قضوا معها لحظات ضاحكة انستهم هموم الحياة القاسية.. اننا نعيش في زمن الاغراق في الحزن والصراع والعطاء.. الناس بحاجة الى من ينزع من اعماقهم هموم الدنيا بكل ما تحمله من عبء على كاهل الانسان.. حتى الانسانية اصبحت معذبة في هذا الزمن الصعب.. ما اقدمه في عروضي يهدف الى طرح قضايا الناس بأسلوب بسيط دون شعارات وكلمات انشائية. * هل رسالة المسرح الاضحاك والاشباع النفسي دون التطرق الى الثقافة والمفاهيم..؟ ـ (مقاطعاً) يا استاذ نحن نعيش عصر العولمة.. كل شيء قابل للتغير.. لقد تبدلت اذواق الناس وتطورت والدليل على ذلك التبدل الهائل في اسماء النجوم ومكانتهم لقد ظهرت اسماء جديدة بمفاهيم مختلفة امثال: محمد هنيدي وعلاء ولي الدين.. وعندنا في الخليج ظهرت اسماء ايضا لها وجودها وفرضت نفسها على الساحة امثال: داود حسين, وحسن البلام, وطارق العلي بالاضافة الى زملائهم السابقين الذين واكبوا الحاضر مثل عبدالرحمن العقل المتجدد دائماً وعبدالناصر درويش.. هذه الاسماء فرضت وجودها بلغتها هي, الناس تريد الجديد بكل ما يحمله من فكر واداء.. من وجهة نظري: رسالة المسرح تتلخص في القيمة الفنية التي يقولها العرض المسرحي بكل ما يحمله من كوميديا وابهار ومقولة بسيطة تصل الى قلوب الناس وتهز اعمق اعماقهم.. انا لا احب الخطب والمواعظ في المسرح, لقد انتهى واندثر زمن مسرح الاغراق في الظلمات. لقد استطاعت عروضي المسرحية ان ترد الروح للمسرح الراقد في غرفة الانعاش. هزة قومية * ما سبب هذه الهزة في الاساس المسرحي في مسرحنا العربي؟ ـ مرجع هذه الظروف نتيجة للهزة النفسية التي احدثها الغزو العراقي الغاشم للوطن الكويتي, وكذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الافراد لها مردود وتأثير على المسرح لان المسرح نابع من الناس لانه يتحدث ويطرح حياة المجتمعات. الازمة وليدة مجموعة من العوامل ساهمت في وصول المسرح الاهلي الى غرفة الانعاش. * لديّ قناعة بأن المسرح قائم من اجل رسالة تخاطب وجدان الناس, ما رأيك؟ ـ هذه حقيقة انا احترمها والدليل على ذلك انني بدأت تقديم عروضي المسرحية منذ عشرين عاما احترمت خلالها الناس وبالتالي نلت احترامهم وتقديرهم ولا استطيع ان اقدم نوعية من الاعمال المسرحية تخدش حياء الناس واذواقهم. * ما رأيك في ازدياد عدد الفرق المسرحية التي تقدم عروضا ارتجالية بغض النظر عن القيمة والهدف؟ ـ انتشار الفرق المسرحية الخاصة في الكويت اصبحت ظاهرة مرتبطة بالتجارة. وبالنسبة لي لم افرق بين فرق القطاع الخاص والاهلي, انا انظر الى العرض المسرحي الذي يقدم قيمة وفكراً للناس. انتقلت الى النجم الكوميدي داود حسين وطرحت امامه القضية وسألته: * هل المسرح الان اصبح تجارة ام شطارة من وجهة نظرك؟ ـ (ضاحكا) المسرح لا تجارة ولا شطارة ولكنه فن راق. الجمهور عندنا في الكويت حساس وذواق ويدرك تماما قيمة العمل المسرحي الذي يعرض له وما يحتويه من مضامين وأهداف, الجمهور لا يمكن ان يخدع ولديه القدرة على افراز الصالح من الطالح وهذا ما نشعر به ونعمل له الف حساب, نحن الان نعيش عصر الانفتاح والاقمار الصناعية, لقد اصبح العالم اليوم قرية صغيرة من السهل الوصول الى كل شيء. * ما الشيء الذي يعتمد عليه المسرح في الكويت؟ ـ المسرح في الكويت والعالم العربي يعتمد على الخبرة والمعرفة. معرفة ما يريده الجمهور وما يقبل على مشاهدته من اعمال مسرحية. مسرح القطاع الخاص هو الوحيد الذي يؤدي دوره بشهامة واقتدار بعد ان توقفت الفرق الاهلية عن ممارسة نشاطها نظرا لظروفها المادية الصعبة. المسرح والشباك * لقد اصبح المسرح تحكمه ارقام فلكية يجب ان يحققها المنتج المسرحي من دخل الشباك مما يدفعه الى تقديم الاضحاك والابهار بغض النظر عن القيمة؟ ـ هذه النوعية من الاعمال التي تتسم بالابهار لا يمكن تقديمها في مسرحنا بالكويت, المسرح عندنا تحكمه ضوابط اخلاقية ورقابية اضافة ان المنتج نفسه رقيب على عمله. انا اشاهد المنتج والمؤلف محمد الرشود يوميا يقف خلف كواليس مسرحه يتابع ويراقب الممثلين ويتدخل لو وجد ان هناك خروجا عن النص. المنتج المسرحي يعتمد على زيادة جرعة الكوميديا في عرضه المسرحي مع وضع ضوابط اخلاقية.. نحن ابناء هذه الديرة التي خرجنا منها وتربينا على ارضها, لا يمكن لمنتج او ممثل او اي عنصر اخر ان يمس او يخدش حياء مجتمعه وناسه مهما كانت المغريات. وفي لقاء مع النجم الكوميدي عبدالرحمن العقل دار هذا الحوار: * ما هي المشكلة التي يواجهها المسرح في الكويت من وجهة نظرك؟ ـ بكل صراحة المشكلة التي يواجهها المسرح الان هي العروض الهزلية التي تندرج ظلماً تحت مسمى العروض الكوميدية. هناك فرق بين الهزل والكوميديا لاشك ان المسرح الخاص يهتم بالفن الكوميدي الذي اصبح يؤثر في وجدان الناس اكثر من العروض الجادة. الكوميديا هي اصعب انواع الفنون واكثرها انتشارا. واذا تحدثنا عن العروض الهزلية فهي لها طريق آخر يختلف عن المسرح ورسالته. وانا شخصياً ضد هذه العروض وارفض المشاركة في اعمالها واذا اردت ان توقف نزيفها فعليك ان تتركها وشأنها حتى تنتهي من نفسها. الجمهور هو الحارس الوحيد على ذوقه الفني الرفيع وهو الوحيد الذي يمكن ان يتصدى لمثل هذه النوعية من العروض الهابطة. * كيف يتصدى لها؟ ـ يقاطعها ولا يشاهد عروضها. المسرح والتطوير * ما هو السبيل من وجهة نظرك لتطوير الفن المسرحي وتجريده من الهزل؟ ـ السبيل الوحيد هو تقديم فن جيد مدروس يرفع ويرتقي بذوق المشاهد وينمي احاسيسه ومشاعره ويجعل الحياة جميلة في عينيه.. ونحن احوج ما نكون الى هذا الفن. ويبدي الفنان الشاب حسن البلام رأيه في هذا الموضوع قائلا: من اجل تقديم فن مسرحي جيد: يجب ان نصنع نماذج اخلاقية ورموزاً فنية تضاف الى الرموز الفنية التي اعطت للفن الكويتي الكثير ومازالت تعطي. علينا ان نطهر القلوب والعقول من الاطماع الشخصية والحقد والكراهية.. وبعدها نستطيع ان ننهض بالفن بكل اشكاله ومنها القضاء على الهزل. نحن نحتاج فنا يخاطب ما هو في داخل الانسان وحتى تخرج من اعماقنا كلمة صدق وحق لكل ماهو جميل ومفيد علينا ان نستنهض ما بداخلنا من قيمة تنفع الناس وتنير لهم طريق الحق والخير. وتتحدث الفنانة الشابة زهرة عرفات عن العوامل الادبية والاعلامية التي تساهم في النهوض بالمسرح وتقول: اولا انا اؤمن بدور الاعلام في عملية التنوير والتأثير على الناس ودوره الهام والفعال في ارتفاع اسهم المسرح وهبوطه الى القاع, الاعلام والصحافة تحديداً هي خط الدفاع الاول لدعم ومساندة الفن الجيد والفنان ايضا, انا وغيري من الناس نقدر كل ما يكتب ولا يوجد مسرح او فنان فوق النقد, وبالتالي على الناقد ان يقوم بدوره في تنوير الناس وتوجيههم الى العروض التي تحقق لهم مشاهدة جيدة وتعرض المعادلة الصعبة والتي تجمع بين الفن الجيد والكوميديا الهادفة. المناخ المسرحي الجماهيري تقول الممثلة الكوميدية انتصار الشراح عن المناخ المسرحي الحالي: المناخ المسرحي الان اصبح مناخ جماهيري نفسي حيث ان الناس اصبحت تبحث عن الضحكة. الجماهير في حاجة الى جرعات من الضحك تخفف عليها تلك المعاناة. ومن هنا فطن المسرح الجماهيري الى احتياجات يقدم هذا القطاع الجماهيري وبدأ لهم هذه النوعية من العروض الكوميدية وهناك عروض تحقق (الحلم الجماهيري) بين احتياجات الناس من الكوميديا وبين الطرح الاجتماعي. واقعية التعبير وسألت النجمة الكبيرة سعاد عبدالله عن رؤيتها لحال افضل العروض المسرحية فقالت: اتحدث فقط عن الاعمال المسرحية التي شاركت في تمثيلها. ان معظم هذه الاعمال لها ابعاد اجتماعية وانسانية معاصرة وواقعية تعبر عن قضايا وهموم المجتمع الكويتي الذي انتمي اليه, المشاكل والصعاب التي تعترضهم فيتصدون لها بكل جرأة ويخوضون معها صراعا لا يتوقف من اجل ايجاد الحلول المناسبة لها وبالتالي المسرحيات التي تعبر عن الحقائق لانها صورة عن واقع الحياة التي نسقط في مطباتها بإرادتنا وبدون ارادتنا, وانا امعن النظر في الشخصية التي امثلها من جميع جوانبها حتى اقدمها بصدق. زمن الاحتراف * هل يزعجك زمن الاحتراف؟ ـ عندما دخلت المجال الفني كنت اتمنى ألا يأتي زمن الاحتراف.. لقد جمع الزمن الذي دخلنا فيه مجال الفن المسرحي الحب والصدق وروح الاسرة الواحدة بكل ما فيها من معاني جميلة, كانت روح الايام تشعل الحماس البديع في النفوس والعقول والقلوب والمشاعر النبيلة, ايام الوفاء لم يعد منها سوى رائحة الذكريات تطل علينا من برودة الواقع الفني فتشعل في نفوسنا قليلا من الامل ولكنه سرعان ما يخبو من جديد تحت ضربات التطلعات الذاتية شديدة الانانية. وسألنا النجمة القديرة حياة الفهد: * هل من الممكن انقاذ هذا الجسد المعتل وهو المسرح من الانحطاط الفني؟ ـ من الصعب ايقاف بعض العروض المسرحية متدنية المستوى الفني إلا في حالة واحدة, انقاذ الفكر الانساني من الوصول الى مشاهدة مثل هذه النوعية من العروض المسرحية. انا مرتبطة قلبا وعقلا بالقيم الانسانية والفنية التي كانت سائدة في الستينيات بكل ما فيها من اخلاص وتفان من اجل الفن الذي لا يعرف إلا الصدق والالتزام, نحن نعيش الآن: الزمن المر. لغة الارقام ثم سألنا الفنان خالد النفيسي: * هل استطاع المسرحي التجاري ان يؤدي رسالته تجاه المجتمع؟ ـ اولا انا ضد مقولة (المسرح التجاري) المسرح بصفة عامة تحكمه لغة الارقام ولكن جرى العرف ان كلمة المسرح التجاري تعني ان الفن الذي يقدمه القطاع الخاص ليس بالمستوى الجيد, وهذا مفهوم خاطىء لأن الحقيقة التي نعيشها في هذا العصر تسير نحو (الخصخصة) هذه العروض استطاعت ان تحقق النجاح الجماهيري الذي عجز عن تحقيقه المسرح الاهلي سواء أكان في الكويت أم في اي مكان آخر, اضافة الى انها استطاعت ان تساهم في اعادة الجمهور الى المسرح, ومن وجهة نظري المسرح هو الجمهور. * بماذا تفسر هذا الاقبال الجماهيري الكبير للعروض الكوميدية؟ ـ الاضحاك.. النجوم المشاركون في هذه العروض لهم حضور كوميدي وتلقائية وقدرة فائقة على اضحاك الناس علينا ألا نخدع انفسنا بعبارات انشائية لا تغني ولا تسمن من جوع.. المسرح هو الاضحاك.. الاضحاك حتى لو طرحت الدراما! من المسئول عن هذه الموجة من الاعمال المسرحية التي لا تهدف إلا الى الكسب المادي السريع والمضمون بغض النظر عن قيمة ومحتوى العمل الفني حتى لو كان هدفه الاضحاك؟ الشيء الذي نحسه بكل أسف هو تبدل اذواق الناس في تذوق معاني الفن بصفة عامة المسرحي او الغنائي, لقد انهار ذوق بعض الناس بدرجة لا تصدق. ويبقى السؤال مطروحا: * من المسئول عن وصول المسرح الى حالة الاضحاك فقط؟ الجمهور؟ أم المنتج؟ ام اهل المسرح الذين تركوه يغرق وعاشوا على ذكريات الماضي واطلاق العبارات الانشائية والمواعظ بعيدا عن متغيرات هذا الزمن الصعب؟! اعداد: محمد زغلول دياب