التجربة الخلاقة لأي فنان لابد ان تستيقظ في اعماق دواخله رغبة متقدة قلقة غير ساكنة للنزوع نحو الانطلاق عبر فضاءات العمل الابداعي الذي يرنو الى الخلق والابداع لبلورة رؤى فنية مؤثرة تكتمل مع تجارب الاخرين. ولعل المسرح من اكثر الفنون تأثيرا بالآخرين ـ مؤدين وجمهورا ـ فإنه يجد الصلة المفقودة فيسمو بالمنجز الابداعي بدلالات يقظة الوعي داخل مساحة التجريب وبأدوات وعناصر حرفية قادرة على صناعة الصورة المسرحية التي لا تقتنع بالحواجز والفواصل بين الثقافات. لذلك جاءت تجربة الفنان جواد الأسدي مع فرقة الاتحاد المسرحية مؤثرة وغنية ومكتشفة فنانا واعدا استطاع ان بلغت الانظار اليه كممثل قادر على التحكم بادوات صنعته في الاداء بعد اغار في اعماق شخصيته. انه الفنان محمد جمعة حيث يكشف لنا في هذا اللقاء تداعيات رحلته مع سفر الابداع ـ كما يسميها ـ في تجربته مع الاسدي. يقول الفنان جمعة: منذ خمس سنوات وبالتحديد في شتاء (1996) وصل الفنان د. جواد الاسدي بدعوة من مسرح الاتحاد (ابوظبي) لتنشيط الحركة المسرحية بالفرقة حيث باشر العمل وكانت ثمرته نص لمسرحية الكاتب الالماني (جورج بوشنر) بعنوان (فويسك) والذي تحول فيما بعد الى (مندلي) كان فيه جواد يحمل سحرا لا يقاوم على خشبة المسرح, كنت اراقب من بعيد كيف يستفز ممثليه للانطلاق والحرية للعب والمرح, كان ذلك بمثابة استفزاز لي انا ايضا بالرغم من انني لم اكن معهم كنت جالسا بالصالة اراقب فقط. * تنتظر دورك؟ ـ كلا.. بل احضر البروفات متحملا متاعب السفر من الشارقة الى ابوظبي وبرفقة الفنان الصديق مرعي الحليان حيث كنا في المساء يجذبنا معه نقاش حول طقوس النص والعمل الجماعي. * والرغبة؟ ـ كنت لأخفيها وحينما اخبرناه بهذه الرغبة اعتذر بسبب اكتمال فريق العمل, فكان ذلك بمثابة الصاعقة التي وقعت على رأسي لكن سلواي انني كنت اشارك الجميع في النقاش عن المسرح والتمارين. * وبعد؟ ـ دعاني الفنان ناجي الحاي للعمل معه في مسرحية (خرزة الجن) لفرقة مسرح دبا الفجيرة ومكثت في التمارين مدة شهرين وشاركنا في ايام الشارقة المسرحية في دورتها السابعة وكانت فرصة ان يتعرف الجمهور المسرحي على قدراتي في مهرجان محلي ذي نزعة تجريبية متطورة. * ثم تطورت التجربة وخرجت من العتمة الى الضوء؟ ـ لقد اسرني المسرح وجذبني اليه بقوة. ومع بعض التجارب التي امتدت طوال اكثر من سنتين مع المسارح الاهلية والمخرجين كنت ابحث عن تجربة مع د. الاسدي الذي عاد من اسفاره بحقيبة تحمل مآسي عربية جديدة, وفي احدى مقاهي الشارقة اجتمعنا معه بحضور ناجي الحاي ومرعي الحليان وصالح كرامة وانا. كان لقاء للاتفاق لمشروع جديد نسطر فيه احلامنا للمسرح الذي نريد مختصرا الكلمات وباحثا عن الهموم المشتركة. كان جواد فينا مثل البطارية الشاحنة فمع ولعه بالمسرح كان يغذي من روحه ممثليه كان يطالبنا ان نكون رهبانا في حضرة المسرح ان نطهر انفسنا من ادرانها العالقة حتي يتسع العالم لنا فنكتشف وجودنا, المسرح عنده غاية وهدف وقضية. وبالفعل بدأنا من اللحظة نفسها نعد العدة للشروع في تنفيذ مسرحية (عرس الدم) للكاتب الاسباني (لوركا) ناقشنا الكثير والكثير من مفردات النص كان يبدو على د. جواد التعطش الشديد لانجاز هذا العمل مع هذه المجموعة وكنت سعيدا بهذا اللقاء للعمل معه,ولكن للأسف وئد المشروع ولم تكتب له الولادة لم يكن عدم انجاز العمل بسببنا ولا بسبب اي احد انما هكذا من تلقاء نفسه, كان عشقنا للابحار في فلسفة (لوركا) حقيقيا ولكنه لم يتم احسست بنوع من اليأس وكانت سلواي هذه المرة ان اشاهد اعمال د. جواد (الاغتصاب), (مقهى بوحمده), (الخادمتان), (تقاسيم على العنبر), (خيوط من فضة). بعدها تابعت مشروعاتي المسرحية ببطء شديد وبروتين ممل, قد يسألني البعض لماذا د. جواد الاسدي بالذات ان العمل معه شاق جدا وصعب ومتعب؟ كنت اعلم ذلك من خلال سماعي الكثير والكثير عن تجربة الكثيرين معه وعن تجربة مسرح الشارقة الوطني بـ (مسرحية مقهى بوحمدة) ومدى الاستفادة الكبيرة التي خرج منها فريق العمل التي قال عنها الفنان (احمد الجسمي) اننا مأسورون بهذه التجربة ليومنا هذا اننا نتوق الى تلك الايام الجميلة الرائعة, لقد تأثر فريق مسرحية (مقهى بوحمدة) بـ د. جواد الاسدي (ناجي الحاي), (احمد الجسمي), (سميرة احمد), (احمد الانصاري), (حسن رجب). ومازالوا يتذكرون تفاصيل البروفات بالرغم من مرور اربعة عشر عاما عليها, هذا هو السبب الذي يجعلني اتوق للعمل معه انه يصنع شيئا خارقا داخل الممثل, شيئا عجيبا يدفعني بقوة للعمل معه. ويستطرد: سنة 2000م كانت طوق النجاة كما اسميتها للعمل مع د. جواد الاسدي وكان ذلك في احدى المساءات ومع اقتراب ايام الشارقة المسرحية عندما تلقيت اتصالا من صالح كرامة للعمل مع فرقة مسرح الاتحاد بقيادة د. جواد الاسدي كانت فرحتي لا تقاس بما كنت احلم به, لم ارفض ولكنني عرضت عليه مشاكلي التي تعيق العمل معهم اخبرته بها وبدوره نقلها للدكتور الذي طلب منه ان اتصل به, اتصلت به وتحادثنا طويلا قال لي: (هنا دور جميل سيعجبك كثيرا) تم تطويع الصعاب وسافرت الى ابوظبي للسكن والعمل مع د. جواد الاسدي, كنت متشوقا لرؤيته والحديث معه قابلته في المقر في مسرح الاتحاد كان جالسا امام الطاولة مع الممثلين للقراءة كان الوقت صباحا لم اقرأ معهم قال الدكتور استمع فقط, وقرأت بعد ذلك في المساء كان يردد د. جواد دائما ونحن حول الطاولة ما كان يفعل في مسرحية (تقاسيم على العنبر) وهكذا كان يريدنا ان نكون, اقتبس ذلك المقطع من يوميات (تقاسيم على العنبر) علينا ان نبدأ من ملكوت الطاولة رتبنا المكان وقراءة اولى اولية للنص, قراءة برانية تنوي الابحار من الخارج الى الداخل, الاردية اولا, الجلد اولا, والرداء في احيان كثيرة هو جلد الانسان, غبار روحه, ونياشين ايامه, وتلاوين لياليه, الرداء هوالماضي المخبوء والحاضر المنبثق, رداء الانسان دليله الانساني الى جوانيته) . * كنت تلميذا يحسن الاستماع الى استاذه الى تعليماته وارشاداته؟ ـ استفدت منه الكثير.. الكثير جدا, الكثير من الافكار عن المسرح خصوصا, كان مختلفا ذلك المسرح الذي يعرفه وعلمني اياه من خلال البروفات على الخشبة, الهيات يحملها معه اينما ذهب بين خصلات شعره الفضية اللامعة حضارة بابلية عتيقة وروح سومرية ترفرف في كل مكان تنثر ذلك العشق الجميل عن المسرح وحب الارض, لم تكن بدايتنا تقليدية كمعظم المسرحيات واعني بذلك الحركات الريبورتية التي يوجهها المخرج للممثل.. تحرك هناك.. حسنا.. ابكي في هذه اللحظة.. ابدأ بالحوار الان, كان ذلك شيئا سقيما ومملا بالنسبة له ولنا ان جاز التعبير كان يريدنا ان نبدأ من ذواتنا ان ننطلق كخيول ان نكسر ذلك الحاجز الكلسي ان ننطلق الى الهواء والنور ان نهدم ونعيد البناء مئات المرات والا نرضى الا بشيء اكثر من المستحيل, ليس هذا مجرد جنون نحو التحايل والبحث عن كل ما يثير ويدهش لكنه توق عميق لرفض تكرار كليشيهات الامس حنين الى شيء جديد وغامض, الى شيء قادر على التحليق, الى غير المتوقع الى غير المعروف الذي يتغذى على العشاءات الاخيرة, ويحشى بالتباهي والوهم, وسرعان ما تحلق الآمال المسرفة الحمقاء غير المبررة, ليعقبها الغضب والحقد والاحباط, ذلك انه من طبيعة الاشياء ذاتها ان تتحطم هذه الآمال المرة بعد المرة لكنها في احيان نادرة تتحقق على نحو باهر. اننا ننظر الى افضل المسرحيات ونتعجب لماذا نعجز عن فعل مثلها, لدينا الموهبة والفنون والوسائل, لكن المشكلة الوحيدة اننا لدينا الكثير من الحس العام, او الذوق المشترك تلك فضيلة مدنية, لكنها ليست فضيلة فنية. ان الاخطاء الحمقاء هي الثمن المقابل للانجازات الرائعة. المشاركة في ايام الشارقة المسرحية لم تكن من اجل الجوائز وبريقها, بل من اجل التواصل الثقافي الخلاق ذلك التواصل الذي يربط الفنان بالآخر, وحتى بعد اعلان الجوائز لم نخسر شيئا بخروجنا بلا شيء, فالجوائز الكبرى برأيي هي اننا صقلنا موهبتنا بشكل جيد مع فنان عربي يحترم فنه ويقدره, فالاخرون الذين نالوا الجوائز هم في الاساس تم تدريبهم على ايدي هؤلاء الفنانين العرب اذ اننا لا يمكن ان نجحف حق الفنانين العرب امثال: قاسم محمد, يحيى الحاج, د. جواد الاسدي, المنصف السويسي ويوسف خليل وغيرهم الكثير. حوار: ظافر جلود