توقفت الفنانة السورية رغده فجأة عن كتابتها لسيناريو وحوار فيلمها المقبل الذي تدور أحداثه حول المناضلة اللبنانية سهى بشارة التي اعتقلت لمدة عشر سنوات في سجون اسرائيل بعد محاولتها, قتل انطوان لحد عميل اسرائيل اللبناني, رغده قامت بدراسة كل جوانب سهى بشارة بعد زيارتها لأكثر من مرة في العاصمة الفرنسية باريس. السبب وراء التوقف هو استئنافها تصوير فيلمها الجديد (جحيم تحت الأرض) الذي جرى تصويره بمدينة مرسى مطروح والذي يتقاسم بطولته أمامها الفنانون كمال الشناوي وسمير صبري وعزت أبو عوف وعايده عبدالعزيز, والذي تدور أحداثه في أواخر الأربعينيات ويتناول قضية الألغام وعلاقة البدو بالأرض التي دارت عليها المعركة من خلال قصة كولونيل بريطاني يحكم احدى المناطق الصحراوية الا ان زوجته الايرلندية, رغده, تتعاطف مع المقاومة الشعبية المصرية وتقرر مساعدة المصريين ضد زوجها للسيطرة على الخطر الموجود في مخلفات الحرب من قنابل وألغام. الفيلم سيناريو وحوار مصطفى محرم واخراج نادر جلال ويأتي كإضافة فنية جديدة للفنانة رغده في مشوارها الفني الذي بدأته في مسلسل (بعثة الشهداء) وبلغت نضجها في (كابوريا واستاكوزا) و(فتاة من اسرائيل) مؤكدة لموهبة فنية ثرية بثراء تاريخ بلادها كصاحبة أعرق الحضارات, وإن كانت في حقيقتها صحفية وأديبة وشاعرة تنسج الشعر خطفتها عيون الكاميرا التي لا تقل إغراء عن عيني رغده الزرقاوتين أو شعرها الذهبي أو سماتها الجميلة وتقاطيعها الشرقية وملامحها العربية لتكون أقرب إلى لوحة يعجز أن يخطها أبرع الفنانيين. وتقول الفنانة رغده: (فيلمي الجديد يأتي ضمن رسالة سامية أؤمن بها وعلينا ألا ننسى أنني مواطنة عربية قبل أن أكون فنانة ولابد لي من التعبير عن نفسي وكياني وقضايا بلدي فضلاً (عن مفاهيم سياسية ولدت معي وأصبحت جزءاً من مفاهيمي وتكويني, وليس من الضروري أن أعلنها داخل حزب سياسي ويكفي إنها تأتي من على منبر كبير له تأثير بين الجماهير ومساهمته الفعالة في تشكيل رأي عام لشارع سياسي والتعريف بقضايا وطنه السياسية, ويكفي مشهد واحد من فيلم سينمائي للتعبير عن قضايانا وبالتحديد قضايانا السياسية فكان فيلمي الأخير (فتاة من إسرائيل) رسالة مباشرة ضد التطبيع أمام التعنت الاسرائيلي وعرقلتها لمسيرة السلام, وقد كان لهذا الموقف الأثر الكبير في نفسي وانفعالي لمواطنة عربية مسقط رأسها يمتد من الخليج إلى المحيط, وامتداداً لهذه الرسالة سيكون فيلمي عن سهى بشارة المناضلة اللبنانية للتعبير عن رفض الشعب العربي عامة واللبناني خاصة وكراهيتهم لكل الخونة وعملاء اسرائيل والموالين لهم, فمن منا لم يفقد عزيزاً أو غالياً اغتالته رصاصات المتعنت ومن منا لم يعتصره الألم وهو يرى أطفالنا يعبرون عن رفضهم وسخطهم ويتخذون من الحجارة وسيلتهم؟ صور لم أنساها وأنا أقوم بدور أم الشهيد) . * ولكن فيلمك المقبل (جحيم تحت الأرض) بعيد تماما عن اطارك السياسي الفني؟ ـ اطلاقاً, نفس الاطار أنا ضد التعنت وانتمائي للأرض لايتجزأ فما ذنب هؤلاء الضحايا الذين فقدوا ذوويهم وأغلى أجزاء من أجسامهم كمن فقد ساقه أو ساعده وقضى بقية عمره عاجزا أو من فقد بصره بلا ذنب يقترفه أو مصلحة يسعى إليها؟ إنه الظلم بعينه, فصراع الحرب العالمية الثانية كان بين قوى عظمى لا ناقة لشعبنا المصري فيه ولا جمل وتركوا ألغامهم تهدد أمن وسلامة المواطن العادي ولم يجنوا من وراء صراعهم سوى العاهات المستديمة. * بالرغم من بريقك في الأعمال الوطنية سواء السينمائية منها أو المسرحية يبقى بريقك كفنانة إغراء بشعرك الغجري وعينيك الزرقاوتين وملامحك الجميلة؟ ـ انني على الإطلاق لا أقدم أدوار إغراء ولكني أقدم إغواء والفرق بينهما كبير, فالإغواء تقدمه الفنانة في قالب من النعومة والدلال بعيداً عن الابتذال والعري والغمزة واللمزة وبعيدا عن أذى العيون وجرح الشعور ولكن الجمهور الذي صنعني كفنانة اغراء من نوع محترم فضلاً عن دور الصحافة ووسائل الاعلام في اطلاق التصنيفات, واعتقادي ان هذا الموضوع حساس وشائك ويحتاج لراقص باليد للتعبير عنه بعيداً عن الابتذال, فالموضوع الذي تتناوله قصة فيلم (كابوريا واستاكوزا) يتحدث عن رغبات بين رجل وامرأة تحت سقف واحد متزوجين ولهما أولاد, الزوجة تعيش حياة غير سوية تفقد فيها طعم الحب والدفء والحنان وتتعطش لكل هؤلاء معاً لا بقصد الرغبة انما بقصد الحب بدليل انه حين عرض عليها الجار خدماته رفضت لمجرد أنها شعرت أنه اشتهاها كجسد وليس كروح, فقد كانت تبحث عن حلم رجل معين يحتويها ويخلصها من الحرمان العاطفي, وحزت عن ذلك على جائزتي عن أدواري بالرغم من أن ما قدمته ليس كلها كابوريا ولا استاكوزا, ولكن قبل أن نتبحر في مثل هذه الأدوار علينا ان نعرف من قدمتها ـ هي نفسي التي قدمت أدوار قمة في البطولة وروعة جديتها بداية من التقرير والحدود وفتاة من اسرائيل وانتظروني في (جحيم تحت الأرض) وأيضاً (سهى بشارة) ومن هذا نخلص الى التفرقة بين الرقي في الإغراء والإغواء وبين الإغراء الفج وبين أدوار أكثر دقة في التعبير عن قضايا وطني وبلدي. في كل الأحوال المقدرة في التعبير وتجسيد الأدوار ورغم تنوعها يحسب للفنان أو الفنانة وليس ضدها, فرغده التي قدمت حورية في كابوريا وسعدية في أستاكوزا هي نفسها التي عبرت عما اقترفه هؤلاء في حق شعبها ووطنها في (فتاة من إسرائيل) أضف الى ذلك العديد من الأعمال الجادة على المسرح بداية من (الرهائن) و(سالومي) و(حكم شهر زاد) بالرغم انني كنت أتجنب المسرح في البداية, وسرعان ما حدث تآلف وثيق بيني وبينه بعدما وجدت المسرح الملتزم الذي يتقدمه مسرح الفنان عادل إمام ومحمد صبحي وشعرت انه جديد ومحوري. * وبالرغم من ذلك فإنك لم تصلي حتى الآن الى درجة نجمة الشباك وان كان هذا لا يقلل من موهبتك وامكانياتك؟ ـ لابد من توافر العديد من المقومات لها وأهمها التفرغ للفن ولكني أرى أن أمومتي لا تقل عن فني إن لم تتقدم عليها, وهذا يرجع لنشأتي وبيئتي وتربيتي لذا فوقتي وجهدي لابد أن يكونا لبيتي ومنزلي وأولادي وزوجي وهذا بالطبع على حساب فني ووقتي وجهدي وطاقتي الفنية ولكنه بالطبع لا يقلل من موهبتي وايماني ان العمل الفني بقيمته ورسالته وليس بكميته. * وماذا تقولين عن تجربتك مع الفنان عادل إمام؟ ـ عادل امام يزداد رصيداً عن أي من العاملين معه بمجرد وجوده بجواره بكونه تاريخ وامكانيات, ونجاحه يشهد به الجميع, لذا تجربتي معه كلها فوائد وضاعف من رصيدي لكون تاريخه لم يأت صدفة ولكنها حصيلة سنوات من العرق والعطاء. * وماذا عن موهبتك الشعرية؟ ـ أنا دارسة للغة العربية بكلية الآداب وأكتب الشعر منذ طفولتي وأعلم بحور الشعر وأجيد أوزانه وقراءتي دائماً (لابن الفارض والكتابة في الصحف هوايتي ولو تفرغت للشعر لكنت ضمن المعدودات في الشعر والأدب وان كان ما قدمته حتى الآن من شعر هو تعبير عن حالتي كأنثى وطفولتي هي رسالة صريحة من بنات جنسي المظلومات, رسالتي تكشف العلاقة بين الرجل والمرأة وعلينا أن ندرك ان المرأة هي الوحيدة والقادرة على التعبير عن قضاياها وأيضاً (التعبير عن احساسيسها وقد جاء ديواني (يوميات جارية) معبراً بدقة عن علاقة رجل بامرأة. * وماذا عن بدايتك الفنية؟ ـ الحقيقة انني بدأت حياتي كصحفية عشقت فيها كل شيء, الجري وراء الأحداث ومشاركتي في صنعها وبدايتي معها منذ مطلع شبابي لرغبتي في الاعتماد على نفسي وتحقيق ذاتي فضلاً عن التحرر من العادات والتقاليد الموروثة, وبعد تجربتي ومشاركتي في الأنشطة أثناء الدراسة الجامعية ومواظبتي على حضور الأمسيات الأدبية والندوات الشعرية واتقاني للغة الحوار وكيفية التخاطب مع الآخرين, واقتحمت مجال الصحافة دون وساطة ولا محسوبية بعد طرق للعديد من الأبواب, وكانت دار الهلال مأربي ومحطتي الأولى والأخيرة ووجدت كل التشجيع من المرحوم صبري أبو المجد وفوميل لبيب فأتاحا لي فرصة الكتابة للتعبير عن نفسي وقضيت حوالي ثمانية أشهر وأثناء ذلك شاهدني المخرج محمد سالم, وما ان رآني حتى عرض علي العمل كمذيعة في احد البرامج التلفزيونية, فوافقت على الفور رغبة في البحث عن ذاتي وتوجت طموحاتي و كانت أبواب السماء مفتوحة لي حيث شاهدني المخرج نبيل عبد العظيم أثناء بحثه عن وجه جديد للعمل معه في مسلسل (الشهداء) التلفزيوني, واعترض البعض لكوني لا أصلح كممثلة ووجدت تحدياً جديداً في أعماقي وبسبب اصراري وافق المؤلف على منحي فرصة التدريب واقتحمت الحقل الفني ليكون مسلسل (الشهداء) هو تأشيرة دخولي الحقل الفني ووداعي الأخير للعمل الصحفي حيث عرض علي بعد ذلك الأستاذ كمال الشيخ دور البطولة مع الفنان نور الشريف في فيلم (الطاووس) وايضا مسلسل (المفسدون في الأرض) وكانت سعادتي لا تقدر وأنا أخطو أولى خطواتي نحو البلاتوه.