عادت في اعقاب التأزم الذي شهدته عملية السلام في الشرق الاوسط مؤخرا احتمالات وقوع مواجهات مسلحة بين الفلسطينيين والاسرائيليين وسط اتهام تل ابيب للفلسطينيين بتهريب الاسلحة الى المناطق المحتلة, فيما اعلنت جماعات المستوطنين اليهود بأنها تشتري الاسلحة وتخزنها بالتعاون مع الجيش الاسرائيلي. ولم يتردد رئيسي الاركان الاسرائيلي شاؤول موفاز في القول, قبل ايام, ان المفاوضات وصلت الى حالة لا يمكن معها التوصل لاتفاق في الفترة القريبة بسبب القدس, وهذا قد يؤدي الى وقوع مواجهات عنيفة, جراء تدهور الاوضاع وفقدان السلطة الفلسطينية للسيطرة على الشارع الفلسطيني. كما زعم موفاز ان حزب الله وحركة حماس قد يقومان باختطاف جنود اسرائيليين لمبادلتهم بمعتقلين واسرى في السجون الاسرائيلية. الى ذلك ادعت صحيفة (يديعوت احرونوت) الاسرائيلية ان السلطة الفلسطينية تقوم بتهريب رشاشات عبر الحدود لتعزيز قوة القناصة لدى السلطة التي تركز قواتها الامنية بصورة دائمة على تدريبها, وقالت الصحيفة نفسها ان ذلك جزء من استعدادات السلطة الفلسطينية لمواجهة احتمال وقوع اي صدام مسلح مع القوات الاسرائيلية. وقد اجل المجلس المركزي الفلسطيني رسميا اعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد, والذي كان مقررا في 13 سبتمبر الحالي, كما كلف رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بمهمة وضع موعد جديد لاعلان الدولة, شرط ان يكون ذلك بين 15 نوفمبر المقبل و1 يناير 2001 وعلى اثر ذلك صعدت الجماعات الفلسطينية التي تعارض النهج الذي يسير عليه عرفات من لهجتها ونشاطاتها واعلنت استعدادها لمعاودة تبني اسلوب الكفاح المسلح ضد اسرائيل. لكن بضعة عوامل مهمة لا تزال حتى الآن تقيد حركتها وعلى رأسها التعاون بين السلطات الامنية الاسرائيلية واجهزة الامن الثابتة لعرفات, اضافة لغياب الدعم الخارجي الواسع لهذه الجماعات المعارضة. وبعد فشل قمة كامب ديفيد, بدرت اشارات تومىء بوضوح الى ان عرفات لن يفي بتعهده بإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة في 13 سبتمبر, كما ان عرفات ربط بين شرعيته كزعيم فلسطيني وبين عملية السلام التي يساندها الكثير من الفلسطينيين ايضا, لكن آخرين مستعدون ايضا الآن لمحاولة انتزاع السيادة على الاراضي الفلسطينية المحتلة باللجوء الى اسلوب النضال المسلح. لكن المراقبين يشيرون على كل حال الى عدة عوامل رئيسية تمنع قيام انتفاضة جديدة بخط متشدد ضد الاحتلال الاسرائيلي.. اذ منذ اتفاقيات اوسلو, عملت اجهزة الامن التابعة لياسر عرفات بتعاون مباشر مع المخابرات الاسرائيلية والامريكية لكبح حركة حماس وغيرها من جماعات المقاومة الاسلامية. وفي الاسابيع الاخيرة تم اعتقال عدد من قادة مجاهدي حماس. الى ذلك يشير المراقبون ايضا الى وجود انقسامات في صفوف الفلسطينيين انفسهم حول الطريقة الامثل لانجاز الدولة الفلسطينية المستقلة. اذ توصل استطلاع للرأي اجراه مركز فلسطيني مستقل للدراسات السياسية في 3 اغسطس الماضي اي بعد فترة قصيرة من فشل قمة كامب ديفيد الى ان ثلثي الفلسطينيين يؤيدون استخدام القوة والعنف ضد اسرائيل, لكن استطلاعا آخر للرأي في سبتمبر اظهر ان اغلبية تقل عن سابقتها من الفلسطينيين تؤيد اعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد. والعامل الثاني هو ان البعض من الفلسطينيين يخشى الآن من مغبة اللجوء للسلاح ضد الاسرائيليين, اذ هناك فرق بين اعلان الدولة الفلسطينيبة من دون اتفاق مع اسرائيل وبين استخدام السلاح ضد الوجود الاسرائيلي في الاراضي المحتلة. ففي الحالة الثانية ستلجأ اسرائيل فورا لاغلاق الاراضي المحتلة وعزلها عن العالم وقطع الاتصال بكل اشكاله بين الضفة الغربية وقطاع غزة, اذ لا تزال اسرائيل قادرة حتى الآن على استخدام سياسة العزل ضد هذه المناطق, بما في ذلك قطع الاتصالات والكهرباء, بل وامدادات المياه, وهذا ما سيتسبب حتما بانهيار اقتصادي شديد فيها. اضافة لذلك فإن الدعم العسكري والمالي الذي لم يعد يتوفر للجماعات الفلسطينية المعارضة هو عامل آخر يثبط قيام انتفاضة مسلحة ضد اسرائيل, ويرى بعض المراقبين انه بدون دعم خارجي سيكون من الصعب جدا على جماعات المجاهدين المعارضين لأوسلو ان يشنوا حملة ناجحة ضد اسرائيل. اما على جانب السلطة الفلسطينية فإن عرفات يعلم بأنه سيتمكن من الاستمرار في احكام قبضته على هذه السلطة طالما ان عملية السلام قائمة, لكن الهدوء الفلسطيني الحالي في المناطق المحتلة اقل ما يقال فيه هو انه هدوء (هش) والاقرب للواقع هو انه (غير مستقر) . وعلى الجانب الفلسطيني الآخر فإن الجماعات المعارضة لاوسلو بدأت الآن على ما يبدو في توحيد صفوفها, وهو الاجراء الذي لابد وان يكسبها المزيد من الدعم الشعبي الفلسطيني. وفي 10 سبتمبر الحالي تظاهر مئات من انصار القوى الاسلامية الفلسطينية المختلفة في استعراض غير مسبوق لوحدة الصف حول مقر القيادة العامة للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة. ومن الجماعات التي كان لها انصارها في تلك التظاهرة هناك حركة حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والاتحاد الديمقراطي الفلسطيني وحزب الخلاص الاسلامي الوطني والجبهة العربية الفلسطينية وغيرها. بل ان تلك الجماعات وقعت بيانا مشتركا تطالب فيه بإعلان الدولة الفلسطينية. اضافة لذلك فإن حالة غياب الدعم الخارجي الحالية قد لا تدوم طويلا اذ تفيد تقارير المخابرات الغربية على سبيل المثال ان ايران قد عينت مؤخرا اللبناني عماد مغنية قائد الجهاد الاسلامي منسقا لنشاطات حماس والجهاد الاسلامي وحزب الله اللبناني, واعاد احد هذه التقارير الى الاذهان ان مغنية كان الرأس المدبر لعملية الهجوم بالقنابل على السفارة الاسرائيلية ومبنى الجمعية اليهودية في العاصمة الارجنتينية بوينس ايرس في بداية التسعينيات. وتستبعد تقارير غربية, من ناحية اخرى امكانية تجدد الانتفاضة المسلحة ضد اسرائيل وتقول انها ليست محتملة في المستقبل القريب مادام عرفات قادرا على الاستمرار في محادثات السلام, وهو شرط احتفاظه بدعم شعبي مقبول. لكن اذا ما شهد عرفات محادثات السلام وهي تنهار فإن تيار الدعم الشعبي سينتقل بعيدا عنه نحو الجماعات المعارضة له, كما ان التنسيق بين هذه الجماعات سيسهل عليها العمل العسكري الى حد كبير. اعداد: جلال الخليل