الكثير من المهتمين بالغناء العراقي يرون في صوت الفنان علي العيساوي امتداداً للأصوات الخالدة التي حفرت في الذاكرة أخدوداً من الذكريات وعمقاً مؤثرا من اللحن الغنائي الأصيل, فهو ذو ثقافة موسيقية أهلته لتبوأ مكانة الصدارة عند عامة المستمعين بعد اتساع رقعة حنجرته. والعيساوي الذي يحل ضيفا على دبي بدأ اهتمامه مبكرا في الغناء والموسيقى خاصة أن والده كان شاعرا يستضيف في ديوانه الشعراء ما ألهب حماسه وزاد من تعلقه بالشعر فكان الشعراء أول مستمعيه الذين شجعوه على الاستمرار وتعلم أصول الغناء الحقيقي لينطلق مغرداً وسط زحمة الأصوات المتعددة لكنه كان ولا يزال خارج السرب متعلقاً بالجذور التي كانت سبباً مباشراً بانتشاره ليس عند حدود وطنه بل للوطن العربي, والفنان علي العيساوي بدأ فور وصوله مدينة دبي بتنفيذ عدة مشاريع هي مفتاح ورؤيا قادمة فيها الكثير من الأماني والتطلعات, في هذا اللقاء يكشف لنا العيساوي عن مرحلته المقبلة. * اذن أنت على أعتاب مرحلة غنائية جديدة تنطلق بها من دبي؟ ـ لست غريباً على دبي بل زائراً متوصلاً لها فقد أحببتها ووجدت فيها وسائل كثيرة تدعم الفنان وتوسع من علاقاته لأنها أصبحت وجهة الفنانين والكتاب والشعراء, ومع ان زياراتي السابقة لم تكن تخضع لبرامج عمل الا انني أفكر جدياً في استثمار تواجدي الآن لتنفيذ بعض المشاريع. * مثلاً؟ ـ كنت بحاجة الى تغيير بعض توجهاتي في الغناء كأن اختار ألحاناً جديدة تخرج من بعض محليتها أو أجد الشعر المناسب القادر على الوصول الى المستمع العربي. * وهل تحقق؟ ـ نعم وقد اخترت قصيدة من الشاعر المصري رضا أمين وقام بتلحينها فاروق الشرنوبي, اضافة الى أنني أسعى حالياً الى الاتفاق مع احدى الشركات الانتاجية لتسجيل مجموعة من الأغاني الجديدة التي فيها الكثير من التجديد. * وهل جف الشعر العراقي؟ ـ أبداً, لكنني كنت بحاجة الى التنويع والتجربة. * وماذا يميز العيساوي عن باقي المطربين بعد هذه الشعبية المميزة؟ ـ انا كما قلت امتداد لجيل الغناء العراقي الأصيل, مع أني جئت بلون جديد فيه مسحة الحزن الجميل الممزوج بالحداثة سواء في الموسيقى أو في الكلمات المختارة وهذه جميعاً هي الشجن في الغناء المعروف بالتطريب فالمطرب ليس مؤدياً فقط بل يحمله من احساس بالمعنى والصدق في الأداء. * هل استفدت من تجارب الآخرين؟ ـ الغناء العراقي مدرسة كما وصفه الموسيقار محمد عبدالوهاب والذي قال ان الغناء العربي يدور في فلك الغناء المصري إلا الغناء العراقي, لذلك فاني عزفت من هذه المنابع الأصيلة وتعلمت موازينها وصوتي شبيه بصوت المطرب مسعود العمارتلي الصوت الذي لا يتكرر ومن شغفي به فقد سجلت له أكثر من (15) أغنية. * كيف يكون اختيارك؟ ـ دقيق للنص والمفردة حيث أتسلل الى المفردة والحس الشعبي وفي الألحان لا أتعامل مع الأسماء المشهورة بل المغمورة التي تحاول دائما أن تقدم أشياء مبدعة, وخلال هذه الفترة كان ألبومي الغنائي نزل إلى الناس فدخلت الاذاعة للاختبار وكان هناك الملحن طالب القرغولي الذي منحني شهادة مرور للمستمع بشكل أوسع. * وقبل ذلك؟ ـ علاقتي بالموسيقى بدأت منذ الصغر بعد أن شجعتني الظروف المحيطة وكنت في حداثة سني أحيي الحفلات في المنطقة ثم الحي فالمدينة وكنت أقلد في البداية لكن بعد فترة بدأت اختار الشعر فكانت فرصتي أن أطرح نفسي كمطرب وساعدني في ذلك التفاف الفنانين حولي ممن كان يثقون بقدرة صوتي ثم دخلت المرحلة الأهم وهي الانتشار عبر الكاسيت. * وما أول كاسيت لك؟ ـ سجلته في بيتي بعنوان (لا) بحضور أصدقائي العازفين ومهندس الصوت وأردت في ذلك أن أسمع صوتي بنفسي. * هل كنت متأثرا بأحد؟ ـ الفنان هو انسان يؤثر ويتأثر وحينما يفقد هذه الخاصية يصعب عليه ابراز ما في دواخله فهو مثل الرسام عليه ان يجسد الحالة التي أمامه, لذلك تأثرت أولاً بالناس الذين من حولي وبالغناء الأصيل. * وهل تعتقد ان الأغنية العراقية باتت محل اهتمام المستمع العربي؟ ـ سؤال غريب! أليس لناظم الغزالي أو محمد الكبنجي أو حضيري أبو عزيز حضوراً عربياً منذ سنوات خلت, وهل يمكن تجاهل حضور الموسيقى العراقية ذات التنوع الفريد عبر سليم ومنير بشير أو حتى الفنان نصير شمة (زرياب الصغير), والغناء والموسيقى العراقية ضاربة بعمق الوجدان العربي وهذا ما لمسته في أغلب جولاتي الفنية في البلدان العربية. * أنا لا أتجاهل ما تقول لكن الآن؟ ـ كاظم الساهر الذي هو امتداد للأصوات العريقة بات يحتل مكانته عربياً بل وعالمياً والمستمع العربي ذواق جداً فحينما تقبل كاظم فمعناه ان الطرب العراقي ممتد الى جذوره, كذلك أيضاً سعدون جابر وفاضل عواد وحسين نعمة وياس خضر ومن الجيل الجديد مهند محسن وحاتم العراقي وماجد المهندس. * ولماذا هذا الحزن المجلجل في أغانيكم؟ ـ الحزن جميل ومتوارث انه موجود منذ آلاف السنين انه تعبير عن حقيقة جوهرية في أعماق الوجدان لذلك فان الصوت الذي لا يمتلك مقومات حضوره سيفشل وهذا ما اتضح مؤخراً حينما هبت موجة من المطربين سرعان ما تركوا الساحة. * وماذا عن ظاهرة المطرب الملحن أو الملحن المطرب؟ ـ اعتقد ان تنويع اختيار اللحن سيجلب للمطرب ديمومة مع مستمعيه أما عن المطرب الملحن فهي ظاهرة جديدة واحتكار الصوت سيفقد متعته. * هل هناك تقارب بين الغناء الخليجي والعراقي؟ ـ هناك روحية متقاربة وخاصة في الايقاعات وهو موروث واحد يمتد من الخليج الى البصرة فبغداد وأغلب مطربي العراق غنوا بهذا الايقاع, أنا مثلاً غنيت يا عشاق الحلوين و(لأتمن) وقد حصدتا النجاح. * هل تفكر في الاقامة خارج العراق؟ ـ كلا سأعود إلى بغداد بعد اكمال مشاريعي الفنية لاني أحب أن أكون قريباً من جمهوري في العراق وقريباً سيكسر الحصار لينطلق بكل رحابة الفن العراقي الى العالم.