كرامة الإنسان المصري جزء مهم ومحوري في تكوين شخصيته واعتزاز المصري الدائم بكرامته سمة أساسية وملمح مهم من ملامح تكوينه النفسي وتشكيله الوجداني فبدون الكرامة, يفقد الإنسان المصري العربي هويته الأساسية بل ويفتقد أيضا الرغبة في الوجود أساسا والعرض المسرحي (حودة كرامة) الذي يقدم على (مسرح الفن) حاليا من تأليف صلاح متولي واخراج جلال الشرقاوي يتناول هذه القضية المهمة في اطار استعراضي كوميدي فيقدم لنا هذا النموذج المثالي للشباب المصري الذي يريد الاحتفاظ بكرامته برغم الظروف الصعبة وبالرغم من تعرضه المستمر للضغوط لنستخلص في النهاية حقيقة مهمة وهو ان دفاعنا المستمر عن هويتنا واحتفاظنا بكرامتنا هما من أهم الأسلحة والوسائل المؤثرة للدفاع عن وجودنا في هذا العصر المادي الذي تسيطر عليه القوة الواحدة التي تسعى للهيمنة وتحقيق العولمة وغيرها من الاجراءات التي تستهدف محو ثقافتنا وهويتنا الحضارية. الفكر والنص المسرحي - للأسف - وكأغلبية عروض القطاع الخاص - لم ينشر هذا النص المسرحي, حيث غالبا ما يتم اجراء العديد من التعديلات على النصوص سواء بالحذف أو الاضافة وذلك اما باضافة أجزاء وأحداث جديدة لبعض الشخصيات وبخاصة النجوم أو بحذف مشاهد كاملة للحفاظ على الايقاع العام للعرض أو لاعادة كتابتها وتحويلها لأغان بل وأحيانا مراعاة للظروف الانتاجية وعدم اضافة مناظر جديدة!! وفكرة النص تعتمد على المفارقة والتباين بين كل من الحضارتين, الحضارة المصرية الأصيلة والحضارة العالمية الحديثة وكذلك على المفارقة بين الدعاية الأمريكية و(الاعلام العالمي) الخاص بمدى تمتع الأفراد بالأمان والحرية والديمقراطية وبين الممارسات الحقيقية لها. وتدور الأحداث الرئيسية حول رحلة المغني والمونولوجست (محمود عتريس) الشهير بحودة, من مصر إلى أمريكا ثم عودته إلى مصر مرة أخرى فقد اضطر إلى مغادرة بلاده التي أحبها بعد أن شعر بمهانته وعدم قدرته على الاحتفاظ بكرامته وقرر الهجرة إلى أمريكا التي رفض السفر إليها قبل ذلك, بعد أن شاهد مدى حرصها على حرية مواطنيها وقدرتها على الدفاع عنهم ولكنه عاد إلى مصر بعد أن تيقن من ان تلك الحرية والكرامة التي تعلن بها الدعاية الأمريكية ما هي إلا مجرد دعايات وان الحقيقة الوحيدة هناك هي سيطرة النفوذ الاقتصادي ومنطق القوة وبالتالي تكون السيطرة الحقيقية للعصابات الصهيونية. لقد تحمل (حودة) وكما علمنا - لضغوط كثيرة منذ تخرجه في معهد اللاسلكي ولكن احباطه الفعلي يبدأ منذ اهمال الجهات العلمية المسئولة لاختراعه الجديد دون فحص أو دراسة ويزداد احباطه النفسي ويتضخم كما شاهدنا حينما يوضع في الحجز بقسم الشرطة ظلما دون جريمة فقط لعدم قيامه ووقوفه للضابط عند دخوله المقهى وبالرغم من ان تلك المآسي قد تحملها في ليلة زفافه إلا انه قد تحملها باصرار وقرر الهجرة لصديقه (السيسي) العائد من أمريكا بالجنسية الأمريكية يستطيع أن يحتفظ بكرامته وأن يهدد ضابط الشرطة وكبار المسئولين بباسبوره الأمريكي ويهاجر فعلا إلى أمريكا ويكتشف الحقيقة أمام عينيه حينما يرى ان هذا الباسبور الأمريكي لا قيمة له داخل أمريكا وان صديقه هناك يعتبر مواطنا من الدرجة الثانية وان النفوذ الصهيوني يتزايد حينئذ فقط يقرر فورا العودة إلى مصر والاعتصام عند أبو الهول الشامخ مطالبا السلطات المصرية بضرورة استكمال انجازاتها بترميم أنف أبو الهول بل وبضرورة تحقيق أهم انجازاتها بالمحافظة على كرامة وأمان المواطن المصري. الرؤية الاخراجية ومفردات العرض بكفاءة المخرج القدير وخبراته الطويلة قاد الفنان جلال الشرقاوي مجموعة الفنانين والفنيين لتقديم عرض متميز بين عروض القطاع الخاص, صحيح اننا لا نستطيع أن نقيم هذا العرض بوضعه في قائمة أفضل عروض المسرحية ولكنه أيضا عرض شيق يحقق المتعة البصرية والسمعية ويتناول قضايا من أهم القضايا السياسية والاجتماعية الراهنة كما انه عرض يتميز بالايقاع السريع وعدم التدني إلى مساحات الاسفاف والابتذال كما الحال في جميع عروض القطاع الخاص. وأخيرا فإن هذا العرض وبتلك القضايا التي يطرحها وبهذه الجرأة السياسية في صياغة الحوار يحتاج إلى جمهور خاص يتعايش مع النص بمعنى آخر ان جمهوره الحقيقي هو طلاب الجامعة فإنني أتمنى أن يفتح (جلال الشرقاوي) أبواب مسرحه (مسرح عالم الفن) بتذاكر لا تزيد على عشرة جنيهات في حفلات الماتنية لهم وأنا واثق من تحقيقه للنجاح وباحساسه بالمسئولية حتى ولو اضطر إلى تقديم حفلتين باليوم. الممثلون نجوم العرض * أحمد آدم: - قام بتجسيد شخصية (حودة) بخفة ظله المعهودة وتحمل عبء بطولة العرض بمفرده وقدم دورا من أفضل أدواره المسرحية على الاطلاق!!. * صلاح عبدالله: - يمتلك حضورا مسرحيا محببا كما يمتلك القدرة على تجسيد العديد من الشخصيات الدرامية والقيام بالبطولات الفنية وقد نجح في ثنائي فني جميل مع أحمد آدم إلا انه في دور (رينجو) قد ظلم كثيرا حيث تراجع لأداء دور السنيد ولم تسمح له طبيعة الدور إلا بابراز بعض قدراته على إثارة الضحكات!!. * عبير صبري: - ممثلة قادرة على توظيف امكانياتها الفنية وهي تزداد خبرة مع الأيام فقد يؤخذ عليها في هذا العرض تشتتها بين محاولة مشاركة نجوم الكوميديا في الاضحاك وبين محاولة منافسة الراقصات في الأزياء العربية!! والرقص. * صفوة: - راقصة تشارك في البطولة المسرحية لأول مرة فتنجح في لفت الأنظار إليها في دور (شربات) . * غادة عبدالرازق: - قامت بأداء دور (نونس) الراقصة حبيبة (رينجو) التي نجحت في الزواج منه وهو دور يتناسب مع امكانياتها الفنية حيث تتميز بأداء دور المرأة القوية. * أحمد توفيق: - قد شارك في أدوار صغيرة مثل (العسكري) ومسرحية (قشطة وعسل) بمسرح الفن وهو في هذا العرض يأخذ فرصته الحقيقية حيث يقوم بأداء دور (زلومة) وقد استطاع أحمد أن يقدم هذا الدور في أحسن وجه وقد ألفت إليه الأنظار. * محمد شرف: - فنان حقيقي يستطيع أن يتعايش مع الأبعاد المختلفة للشخصية التي يقدمها وقد قام في هذا العرض بتقديم دور من أفضل أدواره ليس فقط لانه دور محوري مؤثر بالأحداث ولكن لانه دور قد كتب جيدا. * مجدي السباعي: n قام بأداء دور ضابط الشرطة المصري بحضوره القوي وقدراته ومهاراته الكوميدية يؤخذ عليه فقط اضطراره أحيانا للمبالغة لاثبات وجوده خاصة مع إحساسه بصغر حجم الدور!. حوار: محمد زغلول دياب