فوز الفيلم الصينى (بابا) بالفهد الذهبى الجائزة الكبرى للدورة 53 لمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي لم يكن مفاجأة, رغم أنه كان فيلم المفاجأة فلم يشر إليه الكتالوج الرسمى, إنما علم به الصحافيون فى عرضهم الخاص الذى سبق عرضه الجماهيرى العام, والغريب أن الفيلم يعود انتاجه إلى العام 1996 ومنعه مكتب الرقابة حتى قبل أن يصل إليه الفيلم. وأضطر مخرجه وانج شيو إلى منفى اختيارى بالولايات المتحدة الأمريكية, يعود بعدها ليمارس الكتابة المثيرة للجدل فهو من كبار أدباء الصين المعاصرين وعرف كذلك ككاتب مقال وسيناريست, وكان قد بدأ حياته الأدبية بروايته القصيرة (المضيفة) عام 1984 عن علاقة بين فتاة مراهقة وبحار وقد نشر منذ ذلك الحين عشرين رواية تجرؤ على تناول المحرمات فى الجنس والسياسة, وتنقد المؤسسات, حتى أن نقاد السلطة هاجموه لنفوذه السلبى على الشباب, ووصفوا أعماله بالأدب المنحرف وقد أعدت روايته (نار وثلج) للشاشة الكبيرة عن طريق المخرج يانج عام 1995, وفى عام 1990 كتب مسلسلات تلفزيونيا (قصص صحافية) أثارت اهتمام كل المشاهدين, أما روايته (وحوش مفترسة) تخوض فى الثورة الثقافية من خلال حياة المراهقين, وقد صوره كفيلم المخرج جانج وين عام ,1994 تحت اسم (فى قلب الشمس) وفاز بجائزة بمهرجان فينيسيا عام 1995. وقد حققت روايات شيو أكبر مبيعات فى التسعينيات واعتبر ظاهرة ثقافية لأصالتها وأسلوبها الطازج ولجرأته فى التعبير عن صوت فئات من الناس قلما يعترفون فى الأدب الصيني, وتصوير الواقع الجديد فى الصين فى ظل الاصلاحات الاقتصادية المتحررة فى السنوات الأخيرة, وعرفت كتاباته بالخروج عن المألوف التقليدى فى الصياغة, وبالتنديد بنفاق الثقافة الرسمية ونشرت نوعا من الأدب الشعبى والجريء والساخر من مؤسسات السياسة والمجتمع والأسرة. ومن هنا كان اللقاء معه شيقا اذ اداره مدير المهرجان مارك مولر الذى يتقن اللغة الصينية فأوصل لنا تعليقاته الساخرة, حيث قال أن لجنة رسمية قد وافقت على السيناريو, ولا يدرى أسباب منع الفيلم بعد تصويره وقال: لعلهم رأوا أن اختيارى للممثلين كان سيئا وأن الفيلم لا يحمل رسالة غير ان الفيلم الذى أخذته عن رواية لى يتناول العلاقة بين والد أرمل وابنه. والشيء الفظيع هنا هو فرض الحب بالإضطرار, حب رؤساء العمل فى الوظيفة البيروقراطية, حب الوالد, بل حب الوطن وقد حاولت أن أصور الضغط والتسلط الذى وقع على الولد. الوالد هنا هو رئيس لجنة العمال فى أحد المصانع وعضو الحزب.. المتشدد فى تصرفاته وحفظه للنظام, قبر عواطفه تحت قشرة من التجهم, ذات يوم اقترف ابنه خطأ فى المدرسة, فقام بكتابة نقد ذاتى لإبنه يرفض الإبن توقيعه, يقوم الوالد بضربه يتحمل الولد ويصر على عدم البكاء, وبدأت معركة تضارب الارادات بينهما رغم وضوح نوايا الفيلم فى نقد السلطة, فإن مخرج الفيلم توخى الناحية الجمالية فى توظيف الإضاءة, وتكوين الكادرات. وكما يقول هو نفسه عندما نصنع فيلما يجب أن نحافظ على روح الفكرة جماليا, ومن هنا كان سعيي إلى أسلوبية فى الضوء وفى الموسيقى, وأحيانا سخرية كما فعلت مع الأغنية الدعائية, وقد أردت أن أقدم فيلما بسيطا يصور العلاقة مع السلطة الأب أو الدولة أو المؤسسة, وقد تكون الأسرة كما أردت أن أقدم شخصيات لا سلطة لهم ولا يتحملون السلطة. إلى جانب الجائزة الكبرى التى قررتها لجنة التحكيم برئاسة المؤرخ السينمائى والناقد الروسى ناوم كليمان فقد منحته لجنة التحكيم الكنسية جائزتها الأساسية وجاء فى حيثياتها تنويه ببعده الإنسانى فى العلاقة بين أب وابنه كرمز للفرد فى مواجهة كل السلطات الاجتماعية والسياسية وانه يؤكد السعى نحو الحقوق الفردية, كما أثنت اللجنة على حسن استخدام الموسيقى وروح السخرية, ونال الفيلم أيضا شهادة تقدير خاصة من الاتحاد الدولى لنوادى السينما. القاهرة ـ فوزي سليمان