لامست الشمس طرف الجبل البعيد مؤذنة في الرحيل فلاح لها الموعد المنتظر, رمت بناظريها عبر النافذة المتآكلة وجالت في المكان, حاولت ان تتجاوز بخيالها حدود المساحات الضيقة والمنازل المتلاصقة المائلة, والتي بدت وكأن كل جدار يسند الاخر ليمنعه من السقوط, لا شيء يجعلها تتنفس في براح, وتهرب من ضيق المكان وتلاحق الزمان الا هذا الموعد اليومي, لحظة تشعر انها انسانه تحلم.. ولها روح تنبض بالحياة.. تقافز الصغار حولها, جذب أحدهم طرف جلبابها وتشبثت اخرى بساقها محاولة تجربة النهوض, وصرخت الثالثة لسقوط قطعة الخبز من يدها, حاولت ان تنهرهم, ان تطلب من امهم ابعادهم عنها, لكنها في تلك اللحظة بالذات تشعر وكأنها تحب كل العالم بلا استثناء, البيوت الصغيرة المتهالكة, غرفتها المتربة, شريط البلاستيك الذي يرقع تحطم زجاجها, صرير الصوان والسرير الصدئ, الطيور الهائمة بحثا عن شيء تأكله في شح الخريف, اصوات البهائم, حتى سعال شقيقتها المريضة منذ زمن وعبث صغارها الثلاثة الذي لم تكن تطيقه, كل شيء يبدو جميلا وحالما في تلك اللحظات وهي تكور كل مشاعرها في قبلة حنان الى هناك. فوق اوراق الاشجار الصفراء افترشت منديل رأسها الاخضر والقت بجسدها النحيل, اختلط صوت تحطم الاوراق وحفيفه مع نسمة خريفية باردة فايقظ فيها هذا الاحساس الغامض المنتظر, تحسست الكيس الصغير الذي حملته معها فوجدته لايزال ساخنا وقد استقرت بداخله فطيرة العسل التي يحبها, اقتطعتها من نصيبها لتقدمها له, تحب ان تراقبه وهو يلتهم فطيرتها ويتلذذ كطفل يلتقم صدر امه لأول مرة. دقائق مرت بطيئة ثقيلة ولم يجيء, لم يخلف لها موعدا من قبل, تتسلل من دارها قبل الغروب مخلفة الاف الاسباب كزيارة صويحباتها, او مساعدة جدتها في الدار البعيدة, تطوي منحدر القرية, تتجاوز الطريق الزراعي جهة الشمال, تعبر الساقية المهجورة وقناة المياه الراكدة, وتجده في انتظارها اسفل الشجرة العجوز, بيتهما وعشهما الاوحد بعيدا عن العيون, تلفح انفاسه الدافئة وجهها الطفل, يلملم باصابعه شعرها الثائر, تتشابك الانامل في عناق أبدي, تغوص في عينيه بلون العسل, يرتجف بدنها وقد لفها هذا الاحساس الغامض, فتنتفض مبتعدة وهو يعدها بالغد القريب, يوم يعثر على عمل بشهادته المتوسطة ويقدم مهرها.. هذا هو كل شيء, ويفترقان قبل ان يخيم الظلام على المكان وقد تواعدا دون كلام على لقاء الغد, وتبات تحلم بيوم يدق بابهم, ويوم تزف اليه لتلقاه امام العيون وتكون له المرفأ والدفء.. لكنه اليوم لم يجيء. سقط الظلام على القرية وعلى قلبها, طوت منديل رأسها مع خيبة املها, كانت الفطيرة قد اصبحت باردة, وهمت بالرحيل, انتفضت فجأة لصوت قهقهة بعثرت الصمت خلفها, استدارت في رعب. كان وجهه الاسمر المكتظ قد افرج عن اسنان كريهة المنظر, رأتها رغم بدايات العتمة, تراجعت للوراء من المباغتة وهو يقول: ـ لن يجيء يا ثريا. ـ من تقصد. ـ من كنت تنتظرينه هذه الساعات. ـ لا انتظر احداً.. ابتعد عن طريقي. وكأن كلمتها الاخيرة كانت ايذانا له باستمرار الهجوم فقفز اليها كالفهد رغم سمنته, طوقها بذراعيه, حاول ان يطول شفتيها, قاومته باللكمات والصرخات الفزعة, اطلقها من قبضته الضخمة وهو يقهقه: ـ لن تكوني لغيري يا ثريا مهما هربت. انسابت دموعها غزيرة طوال الطريق لكل شيء, غياب وفيق.. تطاول سعدون برائحته التي تشبه روث البهائم, وتأخرها خارج المنزل حتى تلك الساعة, هل فضح امرها بالقرية والألسنة تلوكها الأن دون ان تعلم, الاف الاسئلة تزاحمت في رأسها الصغير فلم تزدها الا قلقا وعذابا. استقبلها ابوها بصفعة على وجهها ألجمت لسانها وأخرست كل الاسئلة المصطرعة داخلها, اقسم يمين طلاق الا تغادر الدار الا لبيت العريس.. اي عريس يطرق بابهم, وشعرت انها تختنق من كل شيء.. بكاء الاطفال الفزع لصوت الجد.. سعال شقيقتها.. صمت امها.. غرفتها.. الدار والقرية, كل الاشياء تقترب منها تطبق على جسدها.. رقبتها.. وانفاسها كطوق من حديد, ولم تنم, باتت تناجيه.. تعاتبه وهي تحتوي بعينيها انحناءه القمر عبر نافذتها المكسورة, لم تعبأ بالهواء البارد الذي اكسب بدنها الرعشة, فجاء الصباح وقد اصبحت محمومة. تساقطت الاخبار على رأسها, فأصبحت على الالسنة كالهذيان, وفيق مجرم.. قاتل وخائن, وتفصله عنها الآن اميال وقضبان, قتل عمه بعد ان نهش عرضه آلاف الليال, كان العم يغيب عن الدار طيلة الاسبوع للعمل باطراف المدينة, وكان يترك بيته وأهله امانة في رقبة اخيه وولده وفيق, وفي عتمة الليل وغياب الرقيب اوقعت المرأة الفتية بالشاب الغر في حبائلها, لم يعد يطيق الاستغناء عن جسدها المتمرس, انتشر الهمس بالقرية, تناهت اطرافه منه لاذن العم, راقب اهل بيته, وفي اللحظة الحاسمة كانت الطامة, هجم على ابن اخيه في لحظة النشوه, انشب اظافره في رقبته محاولا قتله, لكن وفيق كان الاصغر والاقوى, وتمكن من عمه.. قتله والخائنة تولول وتلطم وجهها. صرخت ثريا بكل ذرة من كيانها ولم تخرج كلمة من شفتيها, كذب كل ما قيل واشيع, وفيق اطهر من ان يخون او تغويه نداءات الجسد, كان يخاف ان يلمسها حتى لا يخدش فيها الحياء, كانت تشعر برغبته فيها وصراعه مع نفسه لاجلها وتمسكه بالعفة, هل يمكن أن ينضح بئر العفاف بهذا الطمي العفن, هل عاشت معه اكذوبة فصلت ما بين الروح والجسد, فكانت روحه لها وجسده لامرأة لم تبخله العطاء, وعاش مع الأخرى كل تفاصيل الرذيلة, عقلها البريء اصيب بمس من الجنون, لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم, الدموع هي المعبر الوحيد عن كل ما يرتطم باذنيها من اسئلة وهمسات, ووفيق يترآى امام عينها, تحيا من اجل لحظة وحيدة, ان تراه.. تسأله.. هل حقا خانها, هل فضل تلك الحيزبون عليها, هل قتل عمه من اجل نزوة جسد..؟ لكن كيف يتأتى لها ذلك وقد حكم على وفيق بالسجن عشرة اعوام وتنكر له ابوه وكل القرية. اختلطت اصوات الحزن بزغاريد الفرح, ولم تعد تدري الفارق الزمني الذي فصل بين هذا وذاك, المشاعل تتوهج في الايادي وتساقط منها بعض الزيت واللهب, الرجال يهرولون.. والنساء تولول وايادي خشنة تحمل امها بقسوة لتمنعها من الركوض خلف الركب الاسود, الغبار يتناثر وينشر جواً ضبابياً مع ضوء المشاعل الباهت, وشقيقتها الكبرى تهبط في فتحة سوداء محمولة فوق الاعناق متسربلة باللون الابيض, رجل متهالك يتلو ما تيسر من آيات القرآن, وقد غاب وجه ابيها عن الزخم.. المشاعل تتوهج في الايادي ويتساقط بعض الزيت واللهب, يتقاتل الرجال بالعصى وسط التهليل والتكبير وتزغرد النسوة, وقد غاب وجه شقيقتها وهيمن وجه ابوها على الحضور, يحمل نفر من شباب القرية قطع الاثاث البسيط ويدخلونه الدار المقابلة, سجنها المرتقب الذي اعده لها سعدون بموجب عقد لا تعرف عنه شيئا. سد بجسده الضخم فتحة الباب وكشر عن ابتسامة كريهة الملامح رأت فيها الشماتة وقال: ـ غدا ستكونين في حضني يا عروس. ارتجف بدنها, عاودها شعور الخوف المختلط بالقرف عندما باغتها اسفل الشجرة وحاول تقبيلها, كم عام مر على تلك الحادثة, هي نفسها لا تعلم فقد تعبت من العد والانتظار, وتوالت عليها احداث اسقطت معها كل الازمنة. في تلك الليلة رأت لأول مرة سيارة الشرطة امام منزلهم, هبط منها نفر من الجنود يقودهم شخص لا يرتدي ملابس رسمية, اقتحموا الدار, بعثروا اثاثه المتهالك وخلفوه حطاما, اخرجوا من بين الادراج والملابس اكداساً من علب الادوية, صرخ ابوها: ـ لم اسرقها لابيعها, اخذتها لاعالج ابنتي, اسألوها.. اسألوا امها واختها, انها مريضة منذ زمن وقد طلقها زوجها لمرضها, تركها في رقبتي مع ثلاثة اطفال, ولا املك سوى تلك الجنيهات من بيع القهوة والشاي بالوحدة الصحية, ولم اقصد السرقة اقسم على ذلك.. واقتادوه ليقضي ثلاثة اعوام بالسجن, وعرفت مع امها الطريق الى المدينة والى السجن الكبير لزيارة والدها كل شهر, كما عرفت الجوع الحقيقي والهوان واهل القرية يفرضون حولهم حصارا من القطيعة والتجاهل, وعبارات يلاحقها بها الصغار: ابنة اللص. وماتت اختها, تلك التي سجن ابيها لأجلها, ماتت ولم يشفها الدواء ولم يشفع لها تضحية الاب, لفظت انفاسها وهي تطلب ان ترى ابيها, ان يحملوها اليه في سجنه لتقول له كلمة اخيرة (سامحني) لكنها لم تره ولم تقلها.. ورحلت. ووجدت ثريا نفسها مسئولة مع امها عن ثلاثة اطفال, ولا رجل بجانبهم او عائل, فكرت كثيرا ان تسأل عن وفيق في سجنه, عسى ان يكون في ذات السجن مع والدها, لكنها تراجعت في كل مرة, كانت تخشى ان تراه, ان تتأكد انه خانها, وانه دفع عشرة اعوام من عمره من اجل امرأة اخرى, واكتفت ان تعيش الحلم في خيالها بأنه بريء, ان تعيش على الذكرى الطاهرة, تستحضر منها ما يعينها على مر الواقع, وتنتظر الغد المجهول فقد يحمل لها مفاجأة.. اي مفاجأة تخرجها من هذا الموات. تزوجت كل الرفيقات ممن هن في عمرها, وبقيت هي لتدق ابواب العنوسة في عرف القرية, وخرج ابوها من السجن, ولم يجرؤ احد على طلبها وهي ابنة اللص.. الا سعدون. رأت امها تبتسم لأول مرة منذ سنوات. وتهلل وجه ابوها وكأنه رأى طاقة القدر, لم يسألها احد او يخبرها بالامر, بل اعدو لكل شيء عدته وكأن موافقتها امر مفروغ منه او لا داع له على الاطلاق, كان الجميع قد فقدوا الامل في زواجها بعدما حدث, لكن سعدون اعاد هذا الامل للبيت الحزين وجاء لينتشلها من العنوسة. الهرب هو المفر الوحيد من الجحيم الذي ينتظرها, انها تفضل الموت على الزواج من هذا الثور الاخرق, كان هزؤا لاهل الجهة كلها, يعمل بالاجرة لمن يدفع له, يحمل السباخ, حرث في الارض, يدير الساقية عوضا عن الجاموسة, ويجلس تحت اقدام الرجال في المحافل والمناسبات يقدم لهم اكواب الشاي, ويلعق بقايا التفل في الاكواب ويتلذذ مذاق السكر, كان فحلا يسهل توجيهه حسبما يريد له السادة, وكانت تمقته, وتحتقر فيه فحولته التي يتباهى بها, فكيف يمكنها ان تتزوجه, ان تعيش معه تحت سقف واحد وفي فراش واحد.. الموت اهون.. لا بل الهرب افضل.. قفزت من نافذتها المكسورة حاملة لفة تضم بعض ملابسها, اطلقت ساقيها للريح, وصلت الى الجسر المؤدي لبداية الطريق الزراعي ومنه للمدينة, تراءت لها سيارة مارة, اشارت لها, القت بجسدها امامها ليستجيب السائق ويتوقف, فتحت باب السيارة, مدت ساقا, وقبل ان تمد الاخرى كانت هناك يد تسبقها, ابوها, كانت عيناه متوهجتان كالجمر, ومن خلفه سعدون, صرخ في وجهها, شرفي.. الفضيحة, وغمد سكينا ضخما في صدرها.. صرخت والسكين يغوض في قلبها, والدماء الساخنة تتفجر وتسيل على كل جسدها.. ورأت امها عبر ضوء المصباح الذابل وقد بدت شاحبة الوجه ملتاعة, تركت امها المصباح جانبا في عجالة وهرولت تحتضنها, بسملت وحوقلت.. همست. ـ (كابوس) يا بنيتي.. اعوذ بالله, العين اصابتك, لا احد يصدق ان ستتزوجي بعد هذه السنوات.. العين اصابتك. لم تصدق انها لا تزال تحيا, تحسست قلبها, جسدها كان العرق غزيرا يتفصد من وجنتيها وكل جسدها, وكانت على فراشها, تململت عمدا لتسمع صوت صرير المعدن الصدئ, تأكدت انها تحيا.. وطردت فكرة الهرب. كانت قد تغيرت.. نحل جسدها اكثر مما كان, تلون وجهها وتلونت شفتاها بفعل ماشطة القرية, وضاعت النظرة الحالمة من عينها وتبدلت بنظرة ترقب, صكت اذنيها قهقهته المعتادة, حاولت ان تتملص من بين ذراعيه كما فعلت من قبل, لكنها لم تقو على ذلك, والقى بجثته الضخمة فوقها, اشتمت منه رائحة روث البهائم فلم تتأفف. وعندما علا شخيره, بصقت على الفراش والارض, افرغت ما في جوفها رغماً عنها, ونامت كالمقتولة. ادركت لماذا يغطون عين البهيمة وهي تدور بالساقية فلا يصيبها الدوار ولا ترى ما تفعل, فاغمضت عينها كلما قاربها, واستولدها طفلا لم يحبه ولم يشعر نحوه بأي طقوس للابوة, واحبت ثريا الطفل بكل مشاعر الامومة, وبدأت به طريقا لتغيير مشاعرها تجاه سعدون, حاولت ان تراه رجلا محترما وزوجا عطوفا واباً لطفلها, بدلت اعراضها اقترابا, ونفورها توددا, حاولت ان تقبل الواقع, تتعايش معه عسى ان تحبه يوما, لكنه لم يساعدها, كان الطفل بداية لهروبه من المسئولية, ولغاية خارج الدار, كان لا يطيق بكاء الصغير, ويتعامل معه وكأنه رجلا اخر يقاسمه الدار, رجلا يعانده ويسرق النوم من عينه بالبكاء ليلا وينام في حضن زوجته, وفي ذلك المساء حمل الطفل الباكي والقى به خارج الدار وعاد لينام وسط صرخاتها, ومنذ تلك الليلة اعتادت ان تنام مع وليدها بحوض الدار, وتترك لسعدون الغرفة الوحيدة لينعم بالهدوء, تلقم الصغير صدرها طيلة الليل فلا يجد سببا للبكاء. (انت لست امرأة, انت قطعة من الحجر لا تستجيب حتى لركلات اقدامي) قالها وهو يجرش حبات من الفول السوداني مع زجاجة من الخمر الرديء, وغادر الدار ولم يعد الا ظهيره اليوم التالي, وتعدد بياته بالخارج, ولم تجرؤ على سؤاله, كانت تشعر بالراحة لمبيته خارج الدار, فقد كانت تنعم بالنوم مع صغيرها في الغرفة دون خوف, وكانت تسعد بمناغاته وحتى بصوت بكائه. لم تفهم في البداية تلميحات امها عندما زارتها اخر مرة, قالت امها (لملمي اثواب زوجك المنشورة في العراء) , لكنها فهمت فيما بعد من الهمس الدائر حولها, سعدون يعرف امرأة اخرى غيرها, فليذهب الى الجحيم, لا شيء يهمها منه طالما امنت شره, لكن كرامة المرأة وفضولها تدفعها لأن تعرف من هي الاخرى. (هل تزوجت باخرى) سألته بعد طول تردد, قهقه كالمعتاد بصوت اجوف وقال في مزحة ثقيلة (من يتزوجك لا يفكر بالزواج مرة اخرى) . تخونني اذا انت لست امرأة لأخونك.. انت لست شيئا من هي هل يهمك اسمها, انها امرأة حقيقية تعرف ما اريد من هي (صرخت في وجهه) فاجابها بصفعة: اخرسي ولا تعودي لهذا الامر, الزوجة المحترمة لا تتحدث مع زوجها عن هذه الامور.. لم تبذل جهدا كثيرا لتعرف, فقد كان الجميع يعرفون, اظلمت الدنيا في عينها وامها تهمس باسمها, لا يمكن ان يحدث هذا, انها الشيطان بعينه ولعنتها لاتزال تطارحها حتى بعد ان طوت تلك الصفحة من حياتها, انها (انصاف) , ذات المرأة التي قتل وفيق عمه لأجلها, لاتزال تلك المرأة تنفث سمومها في عبر المكان والزمان, قديما ادعت براءتها من الخيانة, واكدت امام المحكمة ان وفيق هاجمها ليغتصبها في غياب عمه, وان زوجها راح ضحية الدفاع عن شرفه وشرفها, وصدق الجميع القصة, ودمرت باكذوبتها اجمل حلما عاشته ثريا بل دمرت كل حياتها, وها هي تعود من جديد لتدمر بقاياها, هل تترصدها تلك المرأة, هل تقصدها بالذات ام انها مجرد مصادفة لعينة اوقعتها في طريقها, ليستعيد الزمن نيرانه وتفاصيل مأساته مع الفارق, لقد اخذت من قبل حلمها.. حبيبها ودمرت قلبها, والان تسرق زوجها ووالد طفلها, في الاولى لم تكن تملك ثريا من الامر شيئا الا الفجيعة, والان يجب ان تملك زمام الامور, انها لا تحب زوجها,ولكن يجب ان تستبقيه من اجل طفله, لا يمكن ان يعيش الولد اليتم والحرمان الذي عاشه اولاد شقيقتها, يجب ان تستعيد سعدون حتى لو واجهتها او قتلتها, كل الاشياء قابله للتغيير والاحتمال مع سعدون الا ان يتركها وطفلها بلا عائل وتنخرب الدار. تمشطت وتزينت كما لو كانت ليلة عرسها من جديد, وافتر ثغرها عن ابتسامة اكثر اصطناعا, وانتظرته وتزينت كما لو كانت ليلة عرسها من جديد, وافتر ثغرها عن ابتسامة اكثر اصطناعا, وانتظرته ريثما يعود, لمس في كلامها ليونة لم يعهدها وفي جسدها طراوة لم يشعر بها من قبل, لكنه لم يتوقف في الليالي التالية عن المبيت خارج الدار, واعيتها الحيل معه ولم تجد مفرا من المواجهة. لقد عرفتها (انصاف) , الا تستحي من امرأة في عمر امك لوثت القرية بفضائحها. امرتك من قبل الا تتحدثي عن هذا الامر وسأقوم بتأديبك لتستحي انت. وهجم عليها, انهال عليها صفعا, صرخت, تضربني من اجل ساقطة! نعم انصاف.. انها هي وكانت دائما هي.. انت لا تساوي شيئا بجانبها. لماذا تزوجتني؟ كان يجب ان اتزوج ولم اجد ارخص منك.. زوجة لم تكلفني شيئا.. اعلمي اذن انني اعيش معها منذ اعوام حتى قبل مقتل زوجها. كذب.. كذب.. تقول هذا لتدمرني. بل اقولها لتعرفي انها المرأة الوحيدة التي احببتها. ووفيق؟ دفعه حظه العاثر مصادفة تلك الليلة لزيارة عمه, فضربنا عصفورين بحجر.. اذن انت من قتلت زوجها.. ووفيق؟ نعم.. قتلت هذا العجوز عندما فاجئتنا, والصقنا التهمة بوفيق الذي ساقه حظه الينا في تلك الليلة, كنت ملثما فلم يعرفني, ولم يستطع ان يثبت في التحقيق وجود رجل ثالث, واصرت انصاف على اقوالها بأن وفيق حاول اغتصابها, وان زوجها كان يدافع عن شرفه فقتله وفيق, وهكذا انتهت القصة. صرخت في هلع انت مجنون, مجرم قاتل ضيعتني في البداية والنهاية.. مجرم. استيقظ وليدها على صرخاتها وانخرط في بكاء متواصل, لطمه سعدون على وجهه الدقيق بكفه الغليظ: فتشنج بكاء الصغير وتقطعت انفاسه وظل يشهق, جن جنونها, اختطفت الولد بين ذراعيها وجرت به خارج الدار, لم تكن ترى ما امامها من الظلمة وهول المفاجأة, واذا بيده تدفعها من الخلف فسقطت مع الصغير وحمته بذراعيها من رطمة الارض, قال في هوس كالثور الهائج وهو يمزق ملابسها: سأقتلك انت والولد, لازلت تحبينه يا فاجرة. توسلت اليه الا يؤذي الولد, ولملمت صغيرها وثوبها الممزق, وعادت تجر اقدامها للدار ووجهها ينزف الدماء. تجسدت امامها الحقيقة كاملة بكل التفاصيل والبشاعة, كان وفيق ضحية, كما كانت هي, وها هو القدر يلطمها بصفعته الاخيرة, شعور بالذنب مختلط بالشوق يمزقها تجاه وفيق, ماذا لو طاوعت قلبها يومها وزارته بالسجن وعرفت منه الحقيقة, لكانت انتظرته طيلة العمر وان اضطرها ذلك للهرب من اجله, كانت تشعر انه بريء, ولكن كلمة واحدة منه كانت ستبدد كل ظلال الشك في نفسها وتجعلها تغير من مصيرها, لكنه قدرها. دقت امها على صدرها في فزع وكممت فمها بكفها لتصمت, استحلفتها الا تكرر ما قالته, فلن يصدقها احد, ولن يرحمها سعدون, وقالتها بلهجة حاسمة (اغلقي بابك عليك وولدك واكفى نفسك شر القادم) . تفرسها الرجل المختفي حتى عنقه خلف اكداس الاوراق, وطلب منها الانتظار ريثما ينتهي من البحث, عاجلته بورقة مالية, دسها دون امتنان في جيبه, وسحب بالاخرى الملف المطلوب, وقرأ منه بضعة اسطر, اظلمت الدنيا في عينيها, تهاوت على الجدار, شعرت وكأن سكينا غمد في صدرها, اصيب موظف الارشيف بالذهول, اسرع ليساعدها, قدم لها كوب الماء الذي امامه همس في عطف حقيقي (هذا قضاء الله تماسكي) . هل يمكن ان يظلم انسان حتى الموت, وهل يمكن ان يحرمها القدر من مجرد الحلم وراحة الضمير, كانت تتمنى ان تلقاه, ان تصارحه بالحقيقة, انها ظلمته كما ظلمه القضاء والاخرون, وانها مؤمنة الان به وببراءته, وانه قد دفع ثمن خطيئة ارتكبها غيره, لكنه مات.. ملفه بارشيف السجن يقول انه مات منذ عام, اصيب بفشل كلوي حاد ولم ينجحوا في علاجه, ومات بعد صراع مع المرض, اهكذا تنتهي حياة وفيق الحبيب, ومن كان ارق من نسمة الربيع والطف من اوراق الزهر, ماذا فعل ليجني كل هذا الشقاء, ماذا فعل ليسجن ويموت داخل غرفة ضيقة مظلمة, دون ان يشعر به احد.. او يبكيه احد.. او يبرئ ساحته احد, القد مات وترك سعدون يستمتع وعشيقته باللقاءات المحمومة, مات ليقتل لديها اخر امل في الحياة. دون مبالاة استمع لها ضابط النقطة, قال ان قصتها مثيرة ولكن القضية منذ اعوام وعليها الا تقلب في الدفاتر القديمة, ولم يكلف نفسه حتى عناء تسجيل محضر, اندهشت من موقفه وكأنه متواطئ مع سعدون والقدر عليها, لم تجد منه فائدة ترجى وهمت بالرحيل, نهض الضابط الشاب من مقعده فجأة وامسك بيدها غامزا باحدى عينيه وقال: لدي بعض الاعمال بالمنزل تحتاج الى ترتيب, ما رأيك لو عملتي بمنزلي وسأجزل لك العطاء.. اجفلت من المفاجأة وتراجعت للوراء, لكنها تداركت بسرعة ما جاءت لاجله وهمست في دلال مصطنع: لو وافقت هل تحرر محضرا بما قلته وتطلب اعادة التحقيق. اعدك بذلك وان كان الامر صعبا ويتطلب اذنا من النيابة و.. ولكني سأفعل لو رضيت عنك. نظر اليها سعدون بتوجس وريبه وهي تعرض عليه امر العمل في بيت مساعد المأمور, سألها في حدة: ـ من دلك على هذا العمل؟ ـ رجاء زوجة الشاويش محمد, أخبرتني فقلت انها فرصة للكسب, ولن أعمل سوى بضعه ساعات يوم الجمعة فقط. تردد سعدون قليلاً ثم وافق على مضض, خشي أن يرفض, فيصل الأمر للضابط ويحدث مالا يحمد عقباه. كان مساعد المأمور يعيش بمفرده في تلك الاستراحة بقرية البنون, يسافر فقط في اجازاته للمدينة حيث توجد زوجته والتي رفضت مرافقته الى حيث نقل, وكان كل عمل ثريا اعداد وجبة غداء, وتنظيف الاستراحة, لم يكن يتطلب هذا أكثر من ثلاثة ساعات, فغرفة الاستراحة صغيرة وليس بها الا الضروري من الأثاث, فكانت تترك طفلها مع أمها في ساعات العمل وتذهب بمفردها, كانت تدرك ان الضابط الغر يلاحقها بنظرات شرهة, وتجاهلت ثم لاحقها بيديه, فتهربت وعندما هم بالنيل منها هذا الصباح اقشعر بدنها, عاودها احساس قديم بالقرف عندما هاجمها سعدون اسفل الشجرة, ورغم رائحته العطرة الا انها رأت فيه وجه سعدون الذي استغلها وحطم حياتها, فدفعته عنها بقوة وهربت, ادركت انها لن تكون امرأة غيرها, ولن تدفع هذا الثمن, لقد ضاع أملها في القصاص لوفيق, فالثمن غال ولايمكنها ان تعيش الحرام. كانت تلك الليلة حالكة الظلام, وبرد الشتاء قد جثم في ثقل على قلب القرية فلجأ الناس للهجوع الباكر بالديار, عندما كان سعدون يخطو بأقدامه الثقيلة تجاه دار انصاف بطرف القرية, وقد تأبط زجاجة خمر رديء وحزمة من الخس, كان بابها موارباً كما اعتادت أن تتركه له في تلك الليالي, ولقيته نصف عارية وقد بدا جسدها الممتلئ اكثر ترهلاً, على ضوء المصباح المتراقص كانت عينا ثريا ترقب المشهد كاملا وفي صدرها نيران تود أن تهدأ, القى سعدون بجسده على الفراش الأرضي وطلب من انصاف أن ترقص له, تدللت وتمنعت ثم رقصت على دقات كفه فوق صينية الشاي, ولعبت الخمر برأسه فقام يشاركها الرقص, وشربت معه حتى الثمالة, مرت الدقائق بطيئة وهما يرقصان في خلاعة, والنيران تزداد تأججاً في قلب ثريا, وفجأة تحول الرقص الى صرخات ألم مدو, أمسكت انصاف ببطنها وظلت تصرخ في هيستريا واللعاب اللزج يسيل, بينما ارتمى سعدون ارضا يتلوى كالثور والزبد يرغي من فمه, كانت نيران القلب الراجف خلف النافذة تهدأ رويداً رويداً مع هدوء حركتيهما, حتى سكنت الحركة تماماً, فزفرت تنهيدة حارة أخيرة, وأسلمت ساقيها لطريق الرجوع, ضمت وليدها لصدرها, واستلقت على فراشها في الغرفة الوحيدة, نامت في عمق شديد كما لم تنم من قبل, ولم تستيقظ الا على دقات عنيفة بالباب, كانت أمها تولول ومن خلفها نفر من الشرطة, واجهتها بالنبأ دون مقدمات, لقد عثر على سعدون وانصاف ميتان. غاص مساعد المأمور في عينيها وهو يستجوبها: ـ هل اعتاد سعدون المبيت خارج بيته؟ ـ نعم.. ـ هل تعلمين أين؟ ـ لا. ـ لم تسأليه مطلقاً؟ ـ وهل تجرؤ امرأة مثلي على سؤال زوجها. ـ هل كنت تعلمين بعلاقته بانصاف. ـ لا. ـ هل لزوجك اعداء. ـ لا .. كان كالملاك لولا تلك النزوة. ـ زوجك مات مسموماً. شهقت وهي تدق على صدرها بعنف مفتعل وتقول بصوت مذبوح: من سمه. ـ السم كان في زجاجة الخمر. نهنهت وهي تهمس: كم حذرته من شرب الخمر الرديء. غاص مساعد المأمور أكثر في عينيها وهو يسألها: ـ هل تشكين في أحد وضع السم في الخمر لزوجك؟ ـ لا .. كان الكل يحبه لولا تلك النزوة. أمسك بيدها وهي تبصم على أقوالها وهمس لها (سأكتفي بما قلته وأحاول أن أصدقه .. هل تعودين للعمل لدي ..؟) . هزت كتفيها رفضا في ثقة وهي تواجه عينيه, واستدارت لتغادر مكتبه حاملة طفلها, استقلت أول سيارة مارة وغادرت القرية, قررت أن تبحث عن قبر وفيق بمدافن الصدقة, أن تزوره وتخبره انها انتقمت له ولنفسها ولعمرها الذي ضاع. قاصة مصرية مقيمة في هولندا