استوقفتني مقولة لأحد نقاد المسرح بحق الفنان المخرج كاظم النصار تقول: (ان كاظم النصار ملاك يمشي بيننا, ولكنه على خشبة المسرح يصبح شيطانا كبيرا)! إنه إنسان يحمل من الطيبة والتواضع والواقعية, حد الغرابة, وكأنه منبعث من أحد شخوص (بريشت) أو (كافكا) أو من أحد قطاعات مدينة (الثورة) الشعبية. الهدوء والصمت والقلق, هي العلامات الفارقة لشخصية المخرج كاظم النصار. إنه ما زال طفلا يحلم بمخيلة نقية في اعادة توازن العالم الأرضي من خلال بث بذور الخير والفكر والجمال في أديم المسرح العراقي الجاد وخلق جدلية فكرية تدعو إلى الامتلاء ومحاربة الشر. كثيرا ما كان كاظم النصار يغريني في الحديث معه.. وعندما حاورته, كان هذا الحديث الشيق الذي يغري القارئ في اعادة قراءته لأكثر من مرة. * بماذا تلخص تجربتك مع المسرح العراقي؟ ـ أعتقد انني استوعبت الدرس جيدا, فقد راهنت على المستقبل, وهضمت الماضي والمنتوج المسرحي, اضافة لقراءتي وبحثي في ماهية المسرح العراقي واشراقاته.. وتجربتي عبر أكثر من عرض هي خلاصة ما تحقق في المسرح العراقي, وادعي ذلك, وأتمنى ألا أكون على وهم. وكنت أؤكد على الاضافة لا على التراكم. وعزمت مبكرا على هز قناعة التلقي الساكن عبر العروض التي تأسست على نظام جمالي ومضموني يلامس أزماتنا, وليس المهم ما تحقق, بل المهم ما لم يتحقق, وما زلت في مختبري الخاص أعمل للاستمرار في مشروعي الذي تحدثت عنه في أكثر من مناسبة. * أنت من الأصوات المثقفة في المسرح الجاد, على الرغم من قلة المنتوج المسرحي أو التجارب المسرحية التي قدمتها.. كيف اكتسب كاظم النصار هذه المكانة المتميزة في الوسط المسرحي؟ ـ المكانة المتميزة, ربما لم تأت بسبب عروضي فقط, وإنما عززتها عوامل أخرى, أبرزها اصراري, رغم كل ما يحيط بنا على التمسك بالمسرح الحقيقي, وفعاليتي الديناميكية في الوسط المسرحي, وآرائي ومشاركاتي في المهرجانات المحلية والعربية. وثقافتي ليست مركونة على الرف, وإنما تسمعها في التمرين وفي الشارع وفي الندوات.. بمعنى انني مثقف فاعل ولست منعزلا, وينعكس ذلك على العروض التي أقدمها والتي تنحاز إلى قضية, وإلى جمالية العرض.. والمهم ليس المكانة المتميزة, فقد تكون في آخر الصف وتنتج شيئا مثيرا.. والسؤال هنا: هل فعلا انني في مكانة متميزة بالنسبة للمسرح العراقي؟! * نراك تتحول إلى كتلة من القلق قبيل, أو أثناء العرض المسرحي؟ ـ هناك قلق ايجابي يدفع بي إلى التميز أو البحث عنه. وأنا كائن قلق بطبعي, لا أستقر على حال, ولا أحب الركود أو السكون. تجاربنا ظهرت وولدت ولادات قيصرية, بسبب الظرف المعروف, الانتاجي وغيره, والعرض المسرحي الآن لا يحتمل إلا نظاما محكما, وبوصفي أميناً لسر هذا المعرض, فإني أخشى أن تصل هذه الأمانة مرتبكة. اضافة إلى القلق الذي يجعل المرء حريصا على من سيحمل رسالته, ومن يتلقاها. * المسرح تصل رسالته بأبلغ ما يمكن وأبعد مدى عندما يتصل بأكبر شرائح المجتمع.. ألا انكم ما زلتم تعتمدون (النخبة) في عرض مسرحياتكم؟ ـ أعتقد انني أعمل في محور صعب تتلاقح فيه المعرفة مع الجمال, وضمن نظام قاس قليلا, ولا أستطيع أن أضمن رضا ناقد مختص أو فهمه للعلاقات المبثوثة في هذا النظام. ولا أعتقد انني وصلت إلى مخاطبة الجمهور الواسع, لانه ربما سيتقاطع معي فورا وسأخسر.. انني أعمل على نظام الانفاق التي تنضج فيها التجارب, وحين تثمر تنطلق في الهواء الطلق, وهذا يعني مزيدا من التأني والصبر والحكمة. * ما هو تقييمك الشخصي لمسرحية (عرس الدم), التي تمثل آخر عمل مسرحي شارك في مهرجان (بترا) في عمان, بالنسبة للأعمال المسرحية المشاركة في المهرجان؟ ـ عرس الدم ـ مغامرة محسوبة النتائج, ونجاحها تحقق منذ قراءة الطاولة, فالفرضية الاخراجية مدهشة, وتصميم العرض, أردنا له أن يكون مدهشا أيضا, ولم نخش سوى مطبات التطبيق, والمجموعة التي شاركتني التأسيس كانت بارعة وواعية لما تريد.. وقياسا للأعمال العربية التي اعتمدت عروضها على الاحتفال أو أغلبها جاء ـ عرس الدم ـ ليرسل رسالة جمالية متميزة من العراق بلد المسرح المتقدم.. والمفاجأة بالنسبة لهم انني ربما أشارك في مهرجان عربي لأول مرة. وبالنسبة لهم انني اسم غير معروف.. المهم كان العرض مفاجأة المهرجان, وبالامكان الاستناد إلى ما كتب عنه في الصحافة العربية. * هل من سبيل إلى اعادة مد الجسور بالاتصال الثقافي والجمالي والذوقي بين الجمهور والمسرح على نحو أوسع مما نراه اليوم؟ ـ لست متشائما, ولكن ثقافة العولمة التي وصلتنا, كالفيديو كليب والهمبرجر والأزياء ومسابقات ملكات الجمال.. تجعل من الصعب بناء جمهور حقيقي للمسرح, وخاصة أيضا دخول نظام الاتصالات الحديثة من انترنت و... إلخ وقنوات فضائية, تسهم أيضا في تخريب المسرح الجاد الحقيقي.. المهم أيضا اننا نعمل على الأمل. الأمل في أن نصحو على عالم مدهش اسمه المسرح, علما اننا بعيدون عن هذه الأنظمة الاتصالية, ويجب أن يكون للمسرح دور تثقيف وتوعية بالتعريف بهذا النظام, أو هذه الأنظمة.. أنا مع هذه الثورة الاتصالية ومع المسرح الجديد.. ولكنني أتقاطع معهما في الهدف. * آخر الأعمال؟ ـ أنا أعمل بتأن وتخطيط وتجربة واحدة في العام. تستدعي مني جهدا كبيرا, وما زلت بصدد قراءة مجموعة نصوص محلية, وربما سأحسم الموضوع قريبا وأختار. إنها مهمة صعبة و(محنة)..! بغداد ـ سامر المشعل