تعود لوطنها لبنان بعد نهاية الحرب الاهلية بسنوات واستقرار السلام. بيروت يعاد تعميرها. ولكن رغم مظاهر الهدوء والأمن تشعر أن البلاد مازال شبح الحرب يخيم عليها كل منصرف الى شأنه كأنما لم يحدث شيء، ولكنها تدرك من خلال لقاءاتها مع أفراد من مختلف الشرائح والطوائف أن النفوس لا تزال مسممة بصراعات الماضي. تتساءل المخرجة الشابة دانييل عربيد: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ كيف يتحول الإنسان الى قاتل؟ وكان شريطها (وحدى مع الحرب) الذى عرض بمهرجان لوكارنو السينمائي الدولى الأخير في قسم (سينمائيو اليوم) لتفوز كانتاج فرنسى ـ بلجيكي بجائزة مسابقة الفيديو الفهد الفضي ومبلغ 500.3 فرنك سويسرى لنجاحها في (تحقيق شكل سينمائى للمواجهة بين المخرجة المؤلفة وتاريخها). دانييل عربيد ولدت عام 1970 في بيروت, حيث قضت الأعوام الثمانية عشر الأولى من عمرها, ورحلت قبل نهاية الحرب الأهلية بشهور الى باريس لتدرس الأدب والصحافة, عملت في مجال الصحافة المطبوعة في صحف ومجلات عامة وأدبية فرنسية, مع اهتمام خاص بتغطية الأحداث العامة في العالم العربى. وفي عام 1998 أخرجت أول فيلم قصير لها (تدمير) عن امرأة تبحث عن سور بيتها القديم بين أنقاض بيروت, وذلك بدعم من (مجموعة الأبحاث السينمائية) وفي العام 1999 أخرجت فيلما بالفرنسية بعنوان (العابر) عن لاجئ سياسة كروى في باريس. تصل المخرجة الشابة الى بيروت تحمل اسئلتها تسعى الى اجابة عليها.. تحاول أن تصل الى الأماكن التى حدثت فيها المعارك ومانتج عنها من مذابح.. يدلون ها على رجل (مرشد).. يطلب ثمن ارشادها لمناطق التماس ألفي دولار ولمناطق المجازر أربعة آلاف دولار..! حينما تستكثر المبلغ يرد عليها بفظاظة (لكنك ستربحين أكثر من الفيلم وستنالين جوائز) يبدو انها قبلت.. فقد استطاعت ان تزور وتصور مناطق التماس.. ففي منطقة الكاراتيتا صورت كيف كانت تقام المحاكم المدنية.. وكيف كانوا يصفون الشباب بعد سجنهم تحت الأرض.. ماذا تبقى من المجازر؟.. ببرود يحدثها الرجل (وجدنا هنا رأس ميت مقطوعة وبقايا أجساد متناثرة.. هنا كانت مذبحة تل الزعتر العام 1976). يدلونها الى زعيم المنطقة.. تطرح سؤالها الذى يقلقها.. ماذا حدث؟ لماذا قتلتم؟ كيف قتلتم؟ فكان الرد (الحرب فرضت علينا.. اما ان نحارب أو نسقط (قتلى).. يتحول الناس الى حيوانات شرسة يقطعون الرؤوس بالسواطير.. رجل يقول لها لبنان كانت بلد تجارب لكل الدول.. أنت هربت الى بلد أفضل.. نحن بقينا.. كان يجب أن أحارب من قتل أخي .. تلتقى بلاعب كرة: يدلى لها بشهادته كنت اثناء الحرب على التراس.. صرت أميز بين كل أنواع القصف.. هذه قنبلة B7 وهذه B10 .. يرشدها الى منطقة منعزلة هناك مجزرة قتل فيها 18 شابا.. البعض يعترف انها (حرب مذهبية قذرة فرضت علينا) تلقى بسيدات عجائز (أخى مفقود في الحرب.. كان عمره 19 عاما).. أم تحمل صور.. أولادها.. المفقودين مظاهرة نساء يحملن لافتات: (من حقنا أن نعرف.. 17 ألف مخطوف ومفقود). شباب ممن شاركوا في الحرب.. منهم من يتعاطى المخدرات في محاولة أن ينسى كان على أن أقوض أدافع عن آخر مريض عصبيا.. لا عمل.. لا استطيع الزواج.. آخر يقول: حرب؟ الحرب الحقيقية مع اسرائيل الشعب اللبنانى ضد العدو الاسرائيلي .. هذه خيار المقاومة من أجل تحرير الأرض واستعادة دولة المؤسسات. العدو الاسرائيلى كان له دور في هذه الحرب شاب يقول: (الحرب جعلت منى ر جلا.. وعمرى سنة.. في البداية كنت أعتبر القتل حراماً شىء صعب كنت أرتجف.. لكنى قلت. اذا لم أقتله سيقتلنى. رجل يقول لها وهو يشير الى قلبه (الشر يأتى من هون.. من الداخل). تسأل المخرجة الشابة مواطنين عاديين ومسئولين.. أين النصب التذكارى لهؤلاء الشهداء.. المسئول يتهرب ثم يقول هناك نصب في ساحة الشهداء.. آخر يرد نصب لمن؟ ومن؟ ومن؟ مشهد أخير.. ضبابى.. كورنيش بيروت.. كآبة.. برود. وجدت دانييل عربيد نوعا من الرفض للاعتراف بماحدث وعقاب من اقترف الجريمة.. أرادت في فيلمها أن يجابه الناس ماضيهم. تلك السنوات المظلمة. تعد المخرجة الشابة لفيلمها التسجيلى الثاني بعنوان (حدود). فوزى سليمان ـ سويسرا