هذا حديث صحيح اخرجه احمد وابو داود والترمذي وابن حيان. وهو حديث هام جدا في بناء العلاقة بين المسلم وأخيه المسلم ويحوي في طياته معاني كثيرة. منها ان الانسان لم يولد عالما وانه لابد ان يستشير المؤتمنين وان يتعلم من اهل العلم, وان العالم لابد ان يكون مؤتمنا من قبل الناس أمينا في نفسه, وان الدال على الخير كفاعله. 1 ـ فالحديث يشير الى ان الانسان لم يولد عالما وان العالم يبحث عنه ويطلب لتؤخذ مشورته, فان كان عالما أخذنا رأيه في الدين وان كان طبيبا اخذنا رأيه في الطب وان كان ماهرا في صنعته اخذنا خبرته. لأن المسلمين كلهم يد واحدة وامة واحدة يكملون بعضهم بعضا, فلا بد ان يستشير كل واحد من هو افضل منه, حتى لو كان الانسان مشيرا ومستشارا في آن واحد. يشير على غيره في الطب ويستشير غيره في الدين وهكذا, ولابد في هذه الحالة من تنظيم هذه المسألة, ولذلك خلقت المساجد والمدارس والجامعات. 2 ـ ثم يجب بعد ذلك على الناس ان يطلبوا العلم في المساجد والمدارس والجامعات فطلب العلم فريضة على كل مسلم يتعلم امور دينه في المسجد ويتعلم ما ينفعه في المدرسة ثم في الجامعة. 3 ـ ولكن قبل كل هذا يجب ان يوجد العالم المؤتمن الامين. الذي يتفانى في خدمة أمته, ويحرص كل الحرص على تعليم ابنائنا كل ما أعطاه الله من العلم ولا يكتم شيئا ولا يقصر في واجب. واختيار هذا العالم الامين هو من واجب ولي الامر ان يختاره اولا لعلمه ثم لدينه وتقواه, والدين والتقوى شيئان لا ينفصلان فلا نستفيد من المتدين اذا لم يكن عالما ولا نستفيد من العالم اذا لم يكن متدينا, ثم بعد ذلك نولي مسألة العلم والتعلم كل اهتمامنا لأن العلم تاج الامم واساس الدول, لقد كان الاعرابي يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدفعه للصحابة ليعلموه فلا تمر بضعة ايام حتى يتفقه في دينه ثم ينطلق الى باديته فيعلم الناس الدين ويدعوهم الى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له. وكان عليه الصلاة والسلام يجلس كل يوم يعلم اصحابه بعد الفجر واحيانا بعد العصر واحيانا بعد المغرب واحيانا في السوق. ويعلمهم شئون حياتهم كلها, ويخطئ من يظن ان النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليعلم الناس امور دينهم فقط ويستدل بقوله صلى الله عليه وسلم (أنتم اعلم بأمور دنياكم) فهذا كلام باطل والحديث كان في اول الهجرة كما هو نص الحكاية عند مسلم وغيره. وهي مشهورة. ولكن بعد ذلك علمنا كل شيء كما قال سلمان الفارسي لمن تهكم عليه, وقال له: اتقولون ان نبيكم علمكم كل شيء؟ قال نعم علمنا كل شيء حتى الخراءة.. القصة. ومعنى ذلك انه علمهم كل شيء, وهاهي جوامع الكلم بين ايدينا تعطينا اروع الامثلة لبناء الانسان والمجتمع والدولة, وهاهي المختبرات العلمية تصدق القرآن والسنة في كثير من ادق المسائل العلمية, طبا وهندسة وفلكا. وهاهو التاريخ يحكي لنا عن علمائنا الذين ملأوا الدنيا, ومازالت الجامعات الغربية تنهل من علمهم, او تزور كتبهم وتدعيها لنفسها, وهاهي المكتبات تغص بكتبهم تصيح في المسلمين ان يعودوا اليها ويخرجوها من الظلمات في المكتبات الى النور لتنور الوجود كما كانت في يوم من الايام. وعلى كل مسلم ان يطلب العلم من أهله الحقيقيين ولا ينخدع بما يزينه الغرب ويدعيه الاجانب, وعليه ايضا ان يبحث عن العلماء وان يستشيرهم فما خاب من استشار ولا ندم من استخار. ان في هذه الايام ظهرت حكاية التداوي بالاعشاب مثلا, وهو ميدان سبق اليه المسلمون وكانوا اطباء العالم. فما هي الا سنوات الا واشتهر اطباء الاعشاب المسلمون فبزوا اقرانهم من اطباء الجامعات, وتوصلوا الى مداوات اخطر الامراض. فهل يدري المسلمون ان كثيرا من اطباء الاعشاب توصلوا الى اعشاب تشفي من الايدز وهم يسكنون في الصحراء والبوادي. وهل يدري المسلمون ان اطباء الاعشاب ايضا توصلوا الى اعشاب تشفي من السرطان كل هذا باذن الله. وكل هذا لاننا رجعنا الى ما كان يفعله أجدادنا الذين علموا الدنيا ونوروها, ودلوا الناس على الخير, باخلاص وتفان ومحبة, لم يبخلوا بأعمارهم واموالهم وراحتهم في سبيل الله وفي سبيل امتهم. فمن هذا الذي يضاهي علماء المسلمين الاماجد. هل رأت الدنيا عالما يصرف على العلم والتلاميذ والمدرسة من حسابه الخاص؟ هذا لم يوجد الا في علماء المسلمين. كان ابو حنيفة وابن المبارك والعلماء حتى اليوم يدفعون من جيوبهم لكي يعلموا الناس, وكان العلماء الاغنيا يبنون المدارس ويجلسوا فيها لتعليم الناس. ولو أننا احصينا المدارس في تاريخ الاسلام لاستعصت على الحصر. ويكفي ان كتبا كثيرة كتبت في تاريخ المدارس فقط حتى انهم ذكروا في بعض المدن الاسلامية انه وجد اربعمئة مدرسة في المدينة الواحدة. كبغداد ودمشق والقاهرة والبصرة والكوفة. واسطنبول وبخارى وطشقند وغير ذلك من المدن التي نسيها الناس. وكان هؤلاء المستشارون الامناء لا يعرفون غير العلم ولو خربت الدنيا. فلو ان انسانا احصى العلماء ايام اشد الحروب شراسة لما استطاع, فهل يستطيع احد ان يحصي اسماء العلماء يوم كان التتار يعيثون في الارض فسادا. وهل يستطيع احد ان يحصي فقط الكتب التي كتبت عن علماء القرن السابع. بل هل يستطيع احد ان يحصي العلماء الابرار الذين سقطوا في الدفاع عن الامة ابان الاستعمار الفرنسي او الانجليزي للدول الاسلامية؟. وهكذا يكون المستشار مؤتمنا. د. حمزة الزين