الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسئولية دينية وأخلاقية أوجبها الله عز وجل وأمر بها. قال تعالى في سورة آل عمران (104): (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون). أي لتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالمقصود من هذه الآية كما قال ابن كثير في تفسيره 1/390: وان تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وان كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان) . فالإسلام حرص حرصا شديدا على جعل كل المسلمين والمسلمات حراسا لأسوار الفضائل وتعاليم الدين الحنيف, فمن جاهد منهم المنحرفين بيده فهو مؤمن, ومن جاهد بلسانه فهو مؤمن, ومن جاهد بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. والرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ يحمل المجتمع مسئولية تقويم المنحرفين, وحراسة حدود الإسلام بمستويات تتناسب مع مستويات الاستطاعة لكل فرد منهم وهذه المسئولية دينية وأخلاقية معاً. ووظيفة حماية المجتمع واصلاحه, وظيفة الزامية لا يجوز التخلي عنها في حال من الأحوال, والتخلي عنها يعرض الأمة كلها للعقوبة العامة وهذا ما هدد به الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ في مناسبات متعددة منها ما رواه الترمذي. وقال حسن عن حذيفة عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) . ومنها ما رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (إن أول ما دخل النقص على بني اسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك, ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده, فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون, كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون). ثواب من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر: قال أبو حامد الغزالي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين, وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة, واضمحلت الديانة, وعمت الفتن, وفشت الضلالة, وشاعت الجهالة, واتسع الخرق, وخربت البلاد وهلك العباد. لذلك كان الأمر بالمعروف الناهي عن المنكر في أرقى درجات الكمال الإنساني, وأكمل الناس نفسا, وأعلاهم درجة, وهو الذي ينصح غيره ليخرج البشرية من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم أو يحاول هدايتهم والقائم بهذه المهمة منذ أن خلق الله البشر هم الأنبياء والمرسلون, فأي منزلة أعظم من منزلة الأنبياء ينالها هذا المؤمن الذي وظف نفسه, وأخذ على عاتقه أن ينشر الخير والفضيلة, ويواجه الشر والرذيلة بحسب طاقته واستطاعته. الرفق في أمر الناس ونهيهم: قال سفيان الثوري: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر, رفيق بما ينهى, عدل بما يأمر, عدل بما ينهى, عالم بما يأمر, عالم بما ينهى) وقال الإمام أحمد بن حنبل: (الناس محتاجون إلى مداراة ورفق بالأمر بالمعروف بلا غلظـة, إلا رجل معلن بالفسق فلا حرمة له) والمعنى ان المسلم عليه أن يسع صدره الناس ويتحمل منهم ما يصدر في سبيل إيقاف المنكر. والتهاون في هذا الواجب يعرض الأمة للعقوبة, والمجتمع للدمار والهلاك وهذا ما بينه رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ في الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها, وكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا, فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا, وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) . هذا المثال يبين حال المسلم حينما ينسى وظيفته فلا يتمعر وجهه في سبيل الله لأنانيته وفرط تعلقه بالدنيا, أما لو أدى ما عليه, فإن الله تعالى يؤجره وينجي المجتمع من الهلاك.