قال الله تعالى: فلا اقسم بمواقع النجوم وانه لقسم لو تعلمون عظيم انه لقرآن كريم في كتاب مكنون لايمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين (75, 80) الواقعة. فالقرآن كلام الله القديم نزل به الامين جبريل على سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ منجما في ثلاث وعشرين سنة حسب الوقائع, والثابت ان ابتداء نزوله في شهر رمضان فقد قال الله تعالى (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) . وليلة نزول القرآن هي الليلة المباركة وهي ليلة القدر, وهي في شهر رمضان بلا خلاف, ولفظ القرآن يطلق على معنيين: احدهما: كلام الله القائم بذاته تعالى, وهو صفة أزلية ليست بحرف ولا صوت ولا يوصف بتقديم ولا تأخير ولا تقسيم ولا بداية ولا نهاية وهو قديم ليس بمخلوق. الثاني: اللفظ المنزل على سيدنا ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ ووجه الاضافة في تسميته كلام الله بالمعنى الاول انه صفة لله تعالى. وبالمعنى الثاني انه تعالى انشأه برقومه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) أو انشأه بحروفه في لسان الملك لقوله تعالى: (انه لقول رسول كريم) وقد منع السلف القول بكون القرآن مخلوقا بالمعنى الثاني ادبا واحترازا عن ذهاب الوهم الى القرآن بالمعنى الاول الذي هو كلام الله النفسي القائم بذاته تعالى, قال جل شأنه (وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا او من وراء حجاب او يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء انه علي حكيم) 51 الشورى. فتكليم الله لموسى عليه السلام كان كلاما نفسيا ليس بحرف ولا صوت, وورد في تفسير قول الله تعالى (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث..) انه محدث الاتيان لهم, لا محدث الوجود فهو قديم في العين حادث في الاتيان, ومما يدل على ان الكلام لله والترجمة للمتكلم قوله تعالى: (انه لقول رسول كريم) فأضاف الكلام الى الواسطة والمترجم كما اضافه الى نفسه في قوله تعالى (وان احد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) . فاذا تلي القرآن علينا فقد سمعنا كلام الله, وسيدنا موسى عليه السلام لما كلمه ربه سمع كلام الله ولكن بين السماعين بعد المشرقين. ولا يجوز لاحد ان يعتقد ان رسول ـ الله ـ صلى الله عليه وسلم تصرف في اللفظ المنزل عليه او انه رواه بالمعنى. والقرآن يسمى فرقانا لانه فرق بين الحق والباطل ولانه الكلمة الاخيرة لاهل الارض جميعا لا يتغير ولا يتبدل صالح لكل زمان ومكان محفوظ بحفظ الله تعالى له (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) . وتسميته قرآنا من القراء (بفتح القاف) وهو المجمع لجمعه لمعاني الكتب السماوية كلها. جمع القرآن نزل القرآن على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منجما ليسهل حفظه وليثبت في قلب النبي عليه الصلاة والسلام, فحفظ في الصدور وكتب على اللخاف والجلد وعسيب النخل. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينهي كتاب الوحي, والمسلمين من كتابة شيء غير القرآن فلما توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اشار عمر بن الخطاب على ابي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن خاصة وقد استشهد عدد من القراء وحفاظ القرآن في معركة (اليمامة) فجمع القرآن. أولا: باشراف الحكومة الاسلامية التي تولت الامر بعد رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبهذا لا يوجد اي مطعن على جمع ابي بكر للقرآن الكريم ولا تدخل في ذلك اي شبهة. ثم جمع ثانيا: في عهد عثمان بن عفان باجماع الصحابة. والفرق بين جمع ابي ابكر وجمع عثمان ـ رضي الله عنهما ـ ان جمع ابي بكر كان حفظا للقرآن خشية ان يذهب منه شيء بذهاب حملته لانه لم يكن مجموعا في موضع واحد زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان بعض الصحابة يحفظ سورة واحدة والبعض يحفظ سورا عديدة والبعض يحفظ آيات, فجمعه ابوبكر في صحائف مرتبا لآياته, وسوره, وكان هذا الترتيب توفيقيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان قد وقفهم عليه. واما جمع عثمان فقد كان لاختلاف القراءة بين اهل العراق وأهل الشام وادى ذلك الى ان قرأ كل قوم بلغتهم مما يخشى معه تفاقم الامر وتخطئة بعضهم لبعض واختلافهم في ذلك ربما يكون مثل اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم فقام سيدنا عثمان بنسخ تلك الصحف (التي جمعت في عهد ابي بكر) واقتصر على لغة قريش وحدها لنزول القرآن بها, وكان قد وسع في قراءته بلغة غير قريش دفعا للحرج والمشقة في ابتداء الامر فكان الجمع في زمن الصديق والنسخ في المصاحف في زمن عثمان وقيل انه نسخ سبعة مصاحف وامر بحرق ما عداها من الصحف, فأرسل مصحفا الى مكة ومصحفا الى الشام, ومصحفا الى اليمن ومصحفا الى البحرين ومصحفا الى البصرة, ومصحفا الى الكوفة وأمسك مصحفا بالمدينة. وحفظ الله من الاختلاف كتابه المكنون كما قال جل شأنه (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) وكانت المصاحف مكتوبة بدون الشكل (علامات الاعراب) لان العرب بطبيعتها, لا تلحن, فلا يلتبس, عليها المرفوع مثلا بالمنصوب او المجرور, ولكن لما كثرت الفتوحات الاسلامية واختلط العرب بالعجم وتغيرت بعض الالسنة وسمع ابو الاسود الدؤولي من يقرأ (وآذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر ان الله برىء من المشركين ورسوله) (بكسر اللام) وضع قواعد من علم العربية كان قد اخذها عن الامام علي كرم الله وجهه, وشكل الكتاب العزيز بالحركات الثلاث والتنوين واما بقية الشكل كالشدة والمدة فمن عمل الحجاج بن يوسف الثقفي. ما ينبغي لحامل القرآن ذكر العلماء منها: 1 ـ ان يكون مخلصا لله تعالى في طلبه ووجهته. 2 ـ ان يحمد الله تعالى وان يشكره على نعمه وفضله. 3 ـ ان يكون لله ذاكرا وعليه متوكلا وبه مستعينا, واليه راغبا وبه معتصما وللموت ذاكرا وله مستعدا. 4 ـ ان يكون خائفا من ذنبه, راجيا عفو ربه ويكون الرجاء عند حضور اجله اقوى في نفسه ليكون حسن الظن بالله. 5 ـ ان يكون اهم اموره الورع في دينه وان يجاهد نفسه ما استطاع وان يراقب الله تعالى في كل احواله واحيانه. 6 ـ ان يبتعد عن الشبهات وان يأخذ نفسه بالحلم والوقار وان يتواضع للفقراء, ويتجنب الكبر والاعجاب ويترك الجدل والمراء ويأخذ نفسه بالرفق والادب. 7 ـ ان يكون ممن يؤمن شره ويرجى خيره. 8 ـ ان يعرف المكي والمدني, وما يصاحب ذلك من الاحكام والمدني هو الناسخ للمكي لتأخيره في النزول. 9 ـ ان يتعلم احكام القرآن لينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو. 10 ـ ومن كماله ان يعرف الاعراب والغريب فذلك مما يسهل عليه معرفة ما يقرأ. آداب قراءة القرآن كما ذكر العلماء آدابا كثيرة يجب على قارىء القرآن اتباعها ومنها: 1 ـ ان يقرأ القرآن على طهارة. 2 ـ ان ينظف فمه ويطيبه لانه طريق القرآن. 3 ـ ان يستقبل القبلة عند قراءة القرآن. 4 ـ تستحب الخلوة لقراءة القرآن, ولا يجوز قطع القراءة بكلام دنيوي إلا لضرورة. 5 ـ مراعاة آداب التلاوة من ترتيل واحكام والقراءة من المصحف افضل من القراءة عن ظهر قلب لتأخذ العين حظها من متعة النظر في المصحف, ولتشترك مع الاذن واللسان في الاداء. 6 ـ ان يعظم المصحف فلا يوضع على الارض, ولا يوضع فوقه شيء مهما كان ولو كانت كتب حديث او فقه, وان يوضع في حجر او على شيء يرفعه عن الارض اثناء القراءة ولا يتوسد ولا يعتمد عليه ولا يرمي لصاحبه اذا اراد ان يناوله, ولا يقرأ في الاسواق ولا في مواطن اللغط ومجمع السفهاء ولا يدخل به بيت الخلاء إلا اذا كان في حرز. 7 ـ اذا اجتمع قوم للقراءة وجب عليهم مراعاة آداب القراءة (التلاوة) ويحرم التشويش والتخليط وقطع الكلمات وانقاص الحروف حتى لا يؤدي ذلك الى تحريف القرآن وتغيير مراد الله منه. 8 ـ يكره تأويل شيء من القرآن لأمور الدنيا مثل قولك لرجل جاءك (جئت على قدر يا موسى) او (كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم في الايام الخالية) عند حضور الطعام واشباه ذلك كثير, حتى لا يؤدي ذلك الى الاستهانة بالقرآن ومضاهاته بكلام البشر. الله اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور ابصارنا وجلاء همنا وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مليجي علي غانم