المسلمون في روسيا تتزايد أعدادهم سنويا بمعدل 400 ألف نسمة في حين أن سكان روسيا يتناقصون بمعدل 700 ألف نسمة سنويا وتؤكد الإحصائيات الرسمية أن عدد المسلمين سوف يصل إلى ثلث سكان روسيا في عام 2025م ويتراوح عدد المسلمين الآن بين 22 و25 مليون نسمة من مجموع سكان روسيا البالغ 150 مليونا. والمسلمون الروس في حاجة ماسة إلى التعليم الإسلامي. والمنح المقدمة من الدول الإسلامية لا تلبي سوى جزء ضئيل من هذه الاحتياجات. وفي الحوار التالي مع الدكتور محمد سعيد الرشد مدير مركز الفرقان الإسلامي بموسكو نحاول التعرف على ظروف المسلمين وأحوالهم بعد انهيار الشيوعية بحوالي تسع سنوات. والتحديات التي تواجههم. * في أعقاب انهيار الشيوعية وظهور الرغبة الملحة للمسلمين للعودة إلى دينهم قمتم بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسية حتى يستطيع المسلمون فهم دينهم من خلال الاطلاع على كتاب الله. نرجو إلقاء الضوء على هذه الترجمة؟ ـ المسلمون في روسيا وجدوا أنفسهم وقد انزاح الستار الحديدي الذي كان يحدق بهم. بعد أن حاولت الشيوعية أثناء استعمارها للمسلمين أن تقطع الصلة بينهم وبين تاريخهم وتراثهم ولغاتهم وكتاب الله ـ عز وجل ـ وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقامت بتغيير الحرف العربي الذي تكتب به لغاتهم إلى الحروف الروسية واللاتينية وبذلك انقطعت صلة المسلمين بتراثهم. وإذا كان من المستحيل أن نعلم المسلمين في روسيا وفي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق اللغة العربية إلا أننا نستطيع نقل وترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغاتهم. والله تعالى ـ يقول: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وقد أنزل القرآن بلسان عربي مبين وتشير بعض التفاسير إلى أن قرآنا عربيا تعني وضوحه واشتماله لكل ما يحتاجه الإنسان لكن لنبقي على التفسير الذي يؤكد أن إعجاز القرآن لا ينحصر في اللغة العربية فمعانيه من الممكن أن تنقل إلى لغة أخرى ويبقى فيها إعجاز القرآن وبلاغته وإذا لم تتم ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأخرى فيعد ذلك ظلما وإجحافا بالمسلمين غير العرب. من ناحية أخرى نحن لا نسمى ما نترجمه قرآنا فالترجمة من اللغة العربية إلى أية لغة أخرى تعادل التفسير وترجمتنا ما هي إلى تفسير لكتاب الله نلتزم فيها بما ورد في الأثر: (خير الكلام ما قل ودل) فالترجمة هي تفسير مركز مختصر أما التفسير فيكون موسعا وفيه إيضاحات واستنتاجات وأحكام وغير ذلك. أنشطة متعددة * وهل يقتصر نشاط مركز الفرقان الإسلامي الذي قمتم بتأسيسه على إعداد هذه الترجمة ونشرها والتعريف بها؟ ـ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حرص المسلمون على تأسيس مراكز إسلامية فتم إنشاء المركز الثقافي الإسلامي الذي شاركت في الإشراف على قسم الشئون الإسلامية فيه وفي نفس الوقت كنت أعمل في ترجمة معاني القرآن الكريم حتى يستطيع المسلمون في روسيا فهم دينهم وعندما قام الشيوعيون بترجمة مؤلفات ماركس ولينين إلى اللغة العربية لجأوا في بادئ الأمر إلى الاستعانة بمترجمين من روسيا فكانت ترجماتهم سيئة لا يفهمها العرب لأنها عبارة عن ترجمة حرفية لما كتبه ماركس ولينين باللغة الروسية ولما فطن الروس إلى ذلك استدعوا بعض الأدباء العرب لإعادة ترجمة وصياغة هذه الكتب فاستدعوا من مصر عبد الرحمن الخميس ومن سوريا طلعت الكيالي وغيرهم. لذلك عندما فكرنا في ترجمة معاني القرآن حرصت على أن يتوافر لها عربي يفهم اللغة العربية فهما سليما وروعي ان يكون أهلا لكتابة الترجمة بأسلوب واضح مفهوم. ومن هذا المنطلق قمنا بتأسيس مركز الفرقان الإسلامي وهو مواز للمركز الإسلامي وبقية المراكز الأخرى وهو يتعاون مع جميع المراكز والمساجد والإدارات الدينية في روسيا وآسيا الوسطى والجمهوريات التي استقلت عن روسيا. وللمركز فروع في أوكرانيا وأذربيجان وبيلا روسيا وطشقند وألمآتا وقيرغيزيا ودول بحر البلطيق. وتوجه إلينا الدعوة للمشاركة في الاحتفالات والندوات والمؤتمرات في جميع هذه البلاد وقد قام المركز بتقديم ترجمة معاني القرآن إلى المسلمين في كل مكان. وفي كل طبعة جديدة ندقق ونصحح ونستبدل كلمة بأخرى أفضل. وقد أصبحت الترجمة مقبولة لدى المسلمين ووافق عليها الأزهر في مارس 1997. ويعقد مركز الفرقان ندوات ومحاضرات إسلامية عن المرأة في الإسلام وعن الجهاد والعبادات وغير ذلك أيضا يعقد دروسا في المساجد يحرص على حضورها عدد كبير من المسلمين ومنهج مركز الفرقان في الدعوة قول الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) . تزايد مطرد * وما حجم الوجود الإسلامي في روسيا؟ ـ عدد المسلمين يتراوح بين 22 و25 مليون نسمة من مجموع سكان روسيا البالغ 150 مليون نسمة وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن سكان روسيا يتناقصون سنويا بمقدار 700 ألف نسمة في حين أن عدد المسلمين يتزايد سنويا بمقدار 400 ألف نسمة وتشير التقديرات إلى أنه في عام 2025م سيكون بين كل ثلاثة أشخاص في روسيا مسلم أي أن المسلمين سوف يصبح تعدادهم ثلث سكان روسيا. وهذا يرجع إلى أن 60% من الروس أعمارهم فوق الستين في حين أن المسلمين معظمهم من الشباب وهؤلاء الروس سوف يموتون خلال عشرين سنة ـ هذا بالإضافة إلى أن الأسرة المسلمة متماسكة ويقبل الشباب والفتيات على الزواج ويرفضون العلاقات السرية والصداقة. ونسبة إنجاب المسلمات تفوق الروسيات كما أن المسلمين لا يتناولون الخمور والنساء لا تدخن ويحرصن على العفة والطهارة والالتزام. أما الروس فينتشر بينهم الزنا والخمر وعقوق الوالدين وعدم احترام كبار السن هذا بالإضافة إلى حوادث القتل والاغتصاب والمافيا. أما المسلمون فلا توجد بينهم مثل هذه الجرائم إلا بنسبة ضئيلة للغاية وهذا يجعل مستقبل الإسلام في روسيا مشرقا بل وفي أوروبا كلها فقط علينا أن نقدم الإسلام بطريقة صحيحة وسوف يقبل الناس عليه. * ما أهم المشاكل التي تواجه المسلمين في روسيا؟ ـ هناك مشكلات كثيرة منها قلة الإمكانيات المادية نظرا للظروف الاقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد أيضا توجد خلافات بين الإدارات الدينية بالإضافة إلى جهل القائمين على الإدارات التي كانت موجودة منذ زمن الشيوعية فالشيوعيون كانوا يختارون أئمة تسببت بعض هيئات الدعوة التي ترسل أئمة ودعاة في تفريق صفوف المسلمين لأنها تعمل على نشر مذاهب جديدة تخالف المذاهب الموجودة. وهؤلاء الدعاة لا يراعون الظروف التي يعيشها المسلمون في روسيا والمطلوب من هؤلاء الدعاة المسلمون في روسيا والمطلوب من هؤلاء الدعاة أن يعاملوا المسلمين الروس برفق ولين فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما فتح مكة ووجد أبا سفيان كسيرا وهو زعيم قريش أراد أن يكرمه ويشعره بفضل الإسلام عليه فقال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) وهذه دبلوماسية وبعض الدعاة الروس معلوماتهم عن الإسلام محدودة وقد يخطأ الواحد منهم في قراءة آية من آيات القرآن فلا يجب على الدعاة العرب أن ينهروهم أو يخطئوهم أمام الناس لأنهم معذورون فقد عاشوا معزولين عن مصادر العلوم الإسلامية سنوات طويلة ويجب على الدعاة القادمين من العالم العربي ألا يعملوا على نشر مذاهب جديدة فهناك في روسيا مذهبان هما: المذهب الحنفي وينتشر بين الذين ينحدرون من أصل تتري والمذهب الشافعي وينتشر في القوقاز. وبالتالي فليست هناك حاجة للدعوة إلى مذاهب جديدة وإنما يجب أن نبقيهم على مذاهبهم ثم نوسع معارفهم الإسلامية. المساجد * حول الشيوعيون المساجد إلى مقاهي ومخازن ودور للسينما ومصانع للخمور فهل تم استرجاع هذه المساجد؟ وهل هناك صعوبة في بناء مساجد جديدة أو ترميم المساجد القديمة؟ ـ استطاع المسلمون استعادة بعض المساجد التي أغلقها الشيوعيون أو استخدموها في أغراض أخرى لكن هناك مساجد كثيرة لم يتم استرجاعها بعد أو بعد سقوط الاتحاد السوفييتي أصبحت المساجد في بعض المناطق أكثر من حاجة المسلمين لكن هناك مناطق لا توجد فيها مساجد نهائيا وهناك مناطق بها مساجد ولا يوجد بها مصلون وبالتالي فهناك اختلاف كبير بين منطقة وأخرى فموسكو تختلف عن سيبيريا وهذه تختلف عن داغستان. وعلى سبيل المثال تتارستان وبشكيرستان وهما جمهوريتان متجاورتان تم إنشاء حوالي ألفي مسجد في الجمهورية الأولى في حين أنه لا يوجد إلا عددا محدودا جدا من المساجد في الجمهورية الثانية وفي العاصمة الروسية موسكو تم افتتاح المسجد الخامس وخمسة مساجد لا تكفي مليون مسلم يعيشون في تلك المدينة وربما يتغلب المسلمون في روسيا على الصعوبات المادية ويقومون ببناء ما يلزمهم من المساجد لكنهم في حاجة إلي من يعلمهم الإسلام.. فعلينا أن نترجم لهم العلوم الإسلامية باللغة الروسية وباللغات المحلية مثل القفقازية. * لكن هل يهاجم الروس الإسلام مثلما يحدث في الدول الغربية سواء في وسائل الإعلام أو في غيرها؟ ـ الإنسان عدو لما يجهل كما قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ فالجهلة هم الذين يهاجمون الإسلام والمسلمين ولم أجد روسيا تعرف على الإسلام إلا أثنى عليه وحينما وزعنا بعض نسخ ترجمة معاني القرآن الكريم في البرلمان الروسي قال أحد الأعضاء انني أنصح بإلقاء قانون روسيا في سلة المهملات واتخاذ هذا الكتاب دستورا لروسيا. والإسلام هو ضالة الناس في روسيا سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين لكن المشكلة أنه لا توجد إذاعة إسلامية أو قناة تلفزيونية إسلامية وبالرغم من وجود قنوات فضائية كثيرة من الدول العربية إلا أنه لا توجد قناة إسلامية والمعلومات عن الإسلام في تلك القنوات محدودة وباللغة العربية وهذه لا يفهمها الروس فإذا أردنا نشر الإسلام ودفع الناس إلى فهم تعاليمه فعلينا أن نقدم الإسلام باللغات المختلفة إلى الشعوب عبر القنوات الفضائية. أما بالصورة الحالية فنحن مقصرون في حق ديننا. الحجاب * هل تعاني المرأة المسلمة في روسيا من مشكلات مثلما هو حال المرأة المسلمة في الدول الغربية؟ ـ الفتاة المسلمة تعاني صراعا نفسيا فهي تلتزم بالحجاب في بلاد تسير المرأة في الشارع شبه عارية ومع ذلك تعتز المرأة المسلمة بحجابها لأنه يحميها من النظرات الشهوانية المسمومة وإذا كانت المرأة الروسية (غير المسلمة) تضطر إلى الذهاب إلى الكوافير يوميا لتصفيف شعرها فإن الحجاب يرفع مثل هذا العبء عن المرأة المسلمة. وقد أثبت الأطباء الروس أن المرأة التي تظهر جسمها تكون معرضة للإشعاعات وهذا يجعلها معرضة للإصابة بالعقم والإيدز أكثر من غيرها. وفوق كل ذلك فقد أنصف الإسلام المرأة وفرض الحجاب ليصون كرامتها ويجنبها الإهانة والأذى. أساس عقيدي * كيف ينظرون إلى قضية القدس؟ وما الطريق إلى عودتها للمسلمين من وجهة نظركم؟ ـ للأسف الشديد نحن لا نستخدم كل طاقاتنا وإمكاناتنا التجمع الصهيوني في فلسطين يقوم على أساس عقيدي ونحن لن ننتصر إلا إذا اجتمعنا على عقيدة الإسلام ولو استطعنا استغلال كل الأوراق التي نمتلكها في حوارنا مع عدونا لانتصرنا. وعلى سبيل المثال لا توجد إذاعة إسلامية باللغة العبرية. والحرب الفكرية والإعلامية هي أولى الأوراق التي يمكن أن نستخدمها في حربنا مع العدو. لكننا للأسف لا نستخدم هذه الورقة في الوقت الذي يوجد لدى إسرائيل عدة إذاعات باللغة العربية موجهة إلى الدول العربية.. لو كانت لدينا إذاعة إسلامية بالعبرية لفهم اليهود أنهم ليس لهم حق في أن يعيشوا على هذه الأرض. وقد التقيت مع بعض يهود روسيا فقالوا أنه لا يحق لنا أن نعيش في القدس لأن الله قد غضب علينا حينما عصينا موسى عليه السلام. القاهرة ـ (البيان) ـ ضياء الدين أحمد