الصبر من أخلاق المسلم ووسائله في الحياة التي هداه اليها القرآن (واستعينوا بالصبر والصلاة) وهو من دلائل صدق الايمان فانه لا يصبر لحكم الله الا مؤمن به مقدر لحكمته مبتغ لثوابه في الدنيا والاخرة (ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الامور)، والمسلم يعلم ان الصبر ضرورة في هذه الدنيا, فالدنيا ميدان فسيح تعاقبت عليه الاجيال واختلفت عليه الامم فواجهتهم طبيعة الحياة ومازال هذا الميدان يستقبل اجيال البشر بطبيعة لا تتغير وحقيقة لا تختلف يشير اليها قول الله سبحانه وتعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين) . فالصبر يجعل المسلم يحسن التصرف في كل موقف ويواجه الحياة بمشاعر ثابتة وقلب مطمئن فان ذلك هو ما يقتضيه الايمان وما يثمره اليقين وهل هناك ما يحفز الهمم على الصبر للنجاح في معركة الابتلاء اعظم من قوله سبحانه: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا اذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور) . ولئن كان كل انسان يحب ان تسير الامور على هواه فان للقدر خطة محكمة ونهج مرسوم وليس امام الانسان الا ان يتقبل الاحداث ويواجه الواقع بتسليم ورضا فان ذلك خير له في الدنيا والآخرة اما الجزع والسخط فانه يحرمه راحة الدنيا وثواب الاخرة والمسلم يعلم ان قوة الله لا تقهر وارادته لا تغلب ومشيئته لا ترد ورحمته من وراء ذلك للصابرين وهدايته للموقنين وان قلبه ليغمره الرضا وتملؤه السكينة حين يتلو قول الحق: (وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون) . فالرضا والاحتمال نعمة كبرى يهبها الله للصابرين الذين يرضون بحكمة ويستسلمون لارادته فيكتسبون طمأنينة النفس وثقة القلب وصلاح البال وهذا خير عطاء وافضل نعمة كما يقول صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي احد عطاء خيرا وأوسع من الصبر) . والمسلم يعلم ان الابتلاء مهما اشتد فهو خير له في الدنيا والآخرة بل هو دليل على ان الايمان يعمر قلبه وان القدر يرشحه بذلك للدرجات العلى ولهذا كان الابتلاء سنة لا تتبدل في حياة المصطفين الاخيار فان قلوبهم عامرة باليقين مزودة بطاقة من التحمل والثبات فقد سئل صلى الله عليه وسلم. أي الناس أشد بلاء؟ قال: الانبياء ثم الامثل فالامثل يبتلى الناس على قدر دينهم فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه وان الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الارض وما عليه خطيئة) ومن هنا فان المسلم لا يهن امام البلاء ولا ينكص على عقبيه ان مسته الضراء لأنه يعلم ان للايمان تبعات وان المكاره طبيعة الحياة التي يميز الله بها الخبيث من الطيب ويمحص بها الصدق من الادعاء (ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) . فاذا انتهت هذه الدنيا وانطوت صفحتها فان للصابرين من عظيم الاجر وكريم الجزاء وما ينسيهم ما لقوا في الحياة من جهد وعناء (انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) . وهذا الاجر الجزيل في دار الخلود لا تقاس به نعمة او سلامة في الدنيا الفانية مهما طالت التي يزول نعيمها وتنسى لذتها ولذلك يود أهل العافية يوم القيام حين يعطى اهل البلاء الثواب لو ان جلودهم كانت قرضت بالمقاريض. والمسلم يميز ببصيرته بين المواطن التي يحمد فيها الصبر والتي يتخذها من الصبر سلاحا ماضيا في جهاده وكفاحه في سبيل الحق فهو لا يصبر على الذل ولا يرضى بالضيم ولا يستسلم للطغيان: (ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فاولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) اما صبر المسلم فانه قوة دافعة تجعله اصلب عودا واشد بأسا فلا يجزع ولا يفزع يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) . وختاما فان الخير كله في الرضا لأن الرضا الحقيقي كما يريده الاسلام دليل صفاء النفس وطهارة القلب وسمو الروح وسماحة الخلق ومن كان هذا شأنه فهو سعيد حقا ولو لم يؤت حظا من الدنيا اما من فقد نعمة الرضا فسيظل في هم دائم وقلق مقيم ولو جمعت له الدنيا بحذافيرها ومن هنا فقد انعم الله على المؤمنين بنعمة الرضا بأن انزل السكينة في قلوبهم ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم يقول صلى الله عليه وسلم: (من احب ان يكون اغنى الناس فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يده) .