عزف الهارمونيكا والاستماع الى ايقاع الطبلة والسمفونية العاشرة لبيتهوفن ومقطوعة لموزار وكذلك المعزوفات العسكرية آخر صيحة لعلاج الأمراض والأورام والابتعاد عن الأرق والألم, وسيأتي اليوم الذي سنجد فيه الطبيب يكتب توصياته على روشتة للمريض محذرا مرضى ضغط الدم من الاقتراب والاستماع للموسيقى الصاخبة, ويوصي مثلا بالاستماع الى موسيقى عبدالوهاب صباحا وخمس دقائق لموسيقى بليغ قبل النوم والاستماع للسمفونية التاسعة لبيتهوفن لمرضى السمنة أو البدانة, وسنجد شرائط الموسيقى تعلو أرفف الصيدليات بدلاً من الفايوفليين لمرضى التنفس والنورفاسك ومدرات البول لمرض الضغط والمهدئات والفاليوم لمرضى القلق. القضية ان العديد من المتخصصين وأساتذة الموسيقى مطالبون بتنمية الحس الموسيقي لدى الأطفال في البيت والمدرسة وإنشاء مركز متخصص وبحثي للعلاج بالموسيقى. والأكثر من هذا وذاك انهم مطالبون ببيع أشرطة الكاسيت الموسيقية التي تساهم في علاج الأمراض وإعادة التوازن للجسم بجانب العقاقير الطبية بالطبع, وجميع المؤيدين مطالبون بالانضمام إلى الركب والرافضين بالعودة الى مسرحية شكسبير العظيم عندما يهمس (يوليوس قيصر) على اذن صديقه الروحي مارك انتوني لينقل اليه انطباعاته عن بعض رجال روما الذين يحيطون به في كل مكان, وفي فراشه يشير يوليوس إلى أحد هؤلاء ويهمس في أذن مارك: (فلنحذر هذا الرجل, انه لا يحب الموسيقى) وبعد ساعات قليلة تتحقق النبوءة حينما يساهم عدو الموسيقى في اغتيال بطل روما ويلوث خنجره بدمائه داخل مجلس الشيوخ. عبارة شكسبير هذه أكثر دلالة للتعبير عن اثر الموسيقى في إرهاف المشاعر وترقية الأحاسيس والسمو بالانسان وهي في الوقت نفسه تصنع الموسيقى في خانة غلاظة القلوب والأكباد ايضا, لقد عرف العلماء استخدامات الموسيقى في علاج الجسم والنفس وتوصلوا الى نتائج محددة في تخفيف هموم الروح والجسد. شفاء المريض يقول الشريف خاطر مدير البرنامج الأوروبي للموسيقى بأنه سيأتي اليوم الذي لن يتكلف فيه المريض للشفاء سوى أذنا تسمع وقلبا يعي لدرجة يمكن ان يصبح العلاج للبدانة والسمنة, وكذلك لأي فرد لان يزيل العديد من الكيلو جرامات الزائدة من الشحم أو اللحم عن طريق الاستماع للموسيقى الهادئة مثل موزار أو باخ أو أي موسيقى حديثة, وهذا لن يكلف الفرد سوى ترك نفسه للهدوء بعيداً عن التوتر لأن الموسيقى تحقق الموازنة بين الجسد والنفس لأن بعض أنواع الموسيقى تبث فينا نوعا من الانسجام والاشباع تماما مثل الموسيقى التي تهدد الطفل بعد الولادة أو حتى أثناء وجوده في رحم أمه. وتتعزز عذوبة الموسيقى قبل الجلوس على المائدة: يستقبل الجسم نوعا من التدليك من أول الرأس وحتى أخمص القدمين ثم يدخل المرء في حالة من الاسترخاء المصحوب بالارتياح والرضا لكون الذبذبات البطيئة تتجاوب ويكون لها صدى على الجزء الأسفل من الجسم وعضلات البطن والظهر والحجاب الحاجز لأن التجربة السمعية تضم جميع أجزاء الجسم وتؤثر على كافة الأنسجة. أما الذبذبات العالية أو بمعنى آخر الحادة تكون أكثر سرعة وبذلك تنساب على الجزء الأعلى كاليدين والذراعين والكتف والعنق والجمجمة وغشاء طبلة الأذن. وتعقب الدكتورة معتزة عبد الرحمن الأستاذة بكلية العلوم في جامعة القاهرة, بأن كل خلية من خلايا الجسم تحتوي على 70 إلى 80% من الماء وهذه الخلايا تتأثر لحد كبير باستقبالها للذبذبات, وبعد ذلك تتحول هذه الذبذبات إلى موجات كهرومغناطيسية تولد طاقة, ومن هنا يكون لدينا وقود نظيف يفجر الطاقات المكبوتة فضلاً عن ان الايقاع يشعرنا أكثر بذاتنا ويدلنا على ما نحتاج اليه من غذاء, وبالتالي يقل الجوع العصبي بالتدريج وبالتالي تقليل كمية الطعام بسبب التركيز الذهني مع كل آلة موسيقية وكل نغمة صادرة منها الى ان تمتزج جميع الآلات وتصبح مركزة مع الأوركسترا كاملاً, وهذا لن يأتي إلا بعد الاستماع الى مقطوعة محببة قبل الأكل فهناك الموسيقى الهندية التي حققت في هذا المجال نتائج مذهلة يطغى تأثيرها بعد مرور خمس دقائق فقط وتشعر وكأن رغبتك في الأكل معدومة, وايضا بيتهوفن الذي تشعر بأن معدتك مملوءة على الآخر وأصوات كثيرة مثل صوت عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وموسيقى عبد الوهاب وبليغ حمدي لكونها تحافظ على اتزان آلية الجسم الذي يحدد العلاقة بين الجوع والشبع وبالتالي يمكن علاج السمنة والبدانة عن طريق تحديد نوع الموسيقى ومدى ذبذباتها. وتقول الدكتورة نبيلة ميخائيل الأستاذة بكلية التربية الموسيقية بأنه لا تناقض على الاطلاق بين الموسيقى والعلم, وقد كان العلماء هم الأسبق في الكشف عن امكانيات الموسيقى وتأثيراتها المختلفة على الانسان, والعلاج بالموسيقى هو عبارة عن تنظيم ايقاع الحركة داخل الجسم الحي بواسطة موجات الموسيقى سواء عن طريق الاسترخاء المفيد للكثير من الحالات المرضية أو عن طريق تحقيق نسبة معينة من التوافق بين التنفس وسرعة النبض, والانسان والموسيقى كلاهما يعتمد على الايقاع إذا اختل حدثت الفوضى وإذا انتظم تحقق الاتزان. فكرة قديمة أما فكرة استخدام الموسيقى في العلاج فهي قديمة, فلقد استخدم الانسان البدائي الغناء والرقص كجزء من طقوسه السحرية لطرد الأرواح الشريرة التي كانت سببا للعديد من الأمراض حيث كانت معتقداته, ويقال ان كهنة معبد أبيدوس وهو أكبر مراكز الطب في مصر الفرعونية كانوا يعالجون الأمراض بالترتيل المنغم. وقد توصل الاغريق في أول محاولة لتقسيم الموسيقى وفقاً لتأثيرها على الانسان من حيث جعله يشعر بالشجاعة أو الحزن والضيق وهذا ما أكده أفلاطون في الكتاب الرابع من الجمهورية ان الوصول إلى الصحة يتحقق عن طريق الموسيقى والجمباز, وايضا فيثاغورث الذي أكد ان الموسيقى يمكن أن تداوي جنون الناس, وهناك البردية القديمة التي أكدت لكل من يطالعها بأن هناك قديساً يدعى أبو طربو كان يعالج مرضى الصرع في العصر القبطي عن طريق ترتيل المزامير, واستخدم الفيلسوف والموسيقي العربي أبو نصر الفارابي العزف على العود من أجل التأثير على المستمعين لاضحاكهم أو ابكائهم ونومهم. ويقول الموسيقار رمزي ياسين بأن للموسيقى استخداماتها التي لا تحصى لدرجة انه تم تعيين موسيقيين بالمستشفيات أثناء الحرب العالمية الثانية بهدف تهدئة المصابين ورفع المعنويات وكان (هانز هوف) رئيس قسم الأمراض النفسية والعضوية بمستشفى جامعة فيينا أول من وضع فكرة دراسة الموسيقى والطب معاً, وتم وضع برنامج دراسي للمشتغلين بالعلاج بالموسيقى وتزايد الاهتمام بهذا الطب البديل حتى أصبح هناك 16 جامعة أمريكية تدرس بالعلاج بالموسيقى و600 مستشفى تقوم بتطبيق تلك الدراسات. ويضيف الفنان رمزي ياسين بأن الموسيقى المثيرة تتميز بأنها تتكون من السلم الكبير وهي قوية وعالية وإيقاعها قوي وواضح, ومنها موسيقى هادئة الإثارة مثل (بلادي .. بلادي) وأخرى مقرفة مثل (أعطني الناي وغني) ومنها عظيم الإثارة مثل نشيد (الله أكبر .. الله أكبر) . وهناك موسيقى هادئة وتتكون من السلم الصغير وتتميز بالليونة والهدوء ويغلب على لحنها التكرار إذا كانت من النغم الحزين وزمنها بطيء وسرعتها سرعة التنفس, ومنها موسيقى تأملية مثل تقاسيم الناي والكمان وموسيقى حزينة, وموسيقى الاسترخاء (المنومة) التي تتميز بالانخفاض والهدوء وتعزفها آلة واحدة وتستخدمها الأمهات لأطفالهن قبل النوم وفي أسلوب علاجي آخر يتم استخدام التدليك. دور الايقاع ولقد أدرك نابليون دور الايقاع عندما أرجع هزيمته أمام الروس في احدى المعارك الى قوة تأثير الايقاع المصاحب للجنود الروس أثناء المعركة, ويضيف الفنان رمزي ياسين بقوله: (لقد تبين ان الموسيقى تحقق ضبط الايقاع بين التنفس وسرعة النبض بمعدل 4.1 مما يفيد في علاج الربو والشرايين التاجية وارتفاع ضغط الدم والصداع النصفي الشديد) . وفي المجال العضوي يمكن استخدامها في علاج القصور الحركي لدى المعاقين باستخدامها مختارات موسيقية معينة مما يزيد أو ينقص النشاط العضلي حسب الأنغام المستخدمة, فالعزف على الهارمونيكا مثلاً (يفيد التنفس والبلع) , والعزف على الطبلة يطلق الضغط العاطفي بدلاً من كبته أو ظهروه في صورة أفعال عدائية, والثابت أيضاً نجاح الموسيقى في علاج الأرق وتأتي ثمارها بعد جلستين أو ثلاث, فضلا عن ان الموسيقى تعمل على تطوير الادراك الحسي, واكتشف كرامكوف ان الموسيقى والأصوات الايقاعية يمكنها تحسين قوة ابصار بدرجة تصل الى 25% بل ان بعض الأصوات الصادرة من الساعة مثلاً لها تأثيرها على الأبصار. ولقد أكدت التجارب ان الموسيقى لها تأثيرها على الشلل الرعاشي فالموسيقى الهادئة تعمل على تهدئته والمارشات العسكرية تزيد من سرعة الرعشات والتي قد تصل الى مئة رعشة في الدقيقة, وايضا استخدمت الموسيقى في تنشيط الهضم لدرجة ان فولتير قال ذات مرة ان الهدف من الذهاب إلى الأوبرا هو مساعدة عملية الهضم. ولم تتوقف استخدامات الموسيقى عند هذا الحال بل استخدمت ايضا في علاج أمراض ضغط الدم فالاستماع الى الموسيقى الهادئة لمدة ساعة مثلاً يؤدي الى علاج مرض الضغط العالي لأنها تعمل على انخفاض ضغط الدم الشرياني الانقباضي الانبساطي تعادل انخفاض الضغط نتيجة تعاطي الأدوية والعقاقير لمدة 6 أيام. ويختم الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزير التعليم وأستاذ الأطفال بكلية طب جامعة القاهر مطالباً بتنمية الحس الموسيقي لدى الاطفال في البيت وفي المدرسة وإنشاء مركز بحثي للعلاج بالموسيقى والسماح للصيدليات ببيع أشرطة الكاسيت الموسيقية التي تساهم في علاج الأمراض واعادة التوازن بجانب العقاقير والأدوية بالطبع وتأكيده بقوله: (نحن في مسيس الحاجة إلى مثل هذه الأبحاث خاصة إذا علمنا ان الطفل وهو في بطن أمه يتأثر بالموسيقى وتؤثر في تكوين شخصيته وذوقه العام وجوانبه الانفعالية) . عبد اللطيف خاطر ـ القاهرة