رست فيه اساطيل اثنتين من اكبر الامبراطوريات في التاريخ, البيزنطية والعثمانية, ومن على سفنهم كان القادة المنتصرون يحيون ملوكهم بعيدا عن تيارات البوسفور العاتية. الامبراطورية البيزنظية طواها التاريخ عندما أقدم السلطان محمد الفاتح على عمل لا يصدقه أحد في عام 1453 ونقل اسطوله برا وحاصر القسطنطينية التي سقطت ثم ولدت من جديد باسم اسطنبول. وتغير مجرى التاريخ في القرن الذهبي بالمدينة. معركة اليوم تنصب على انقاذ هذه البقعة التي تغنى كتاب بها القرن الثامن عشر ووصفوها بأنها جنة من الورود وزهور التيوليب تصدح فيها الطيور بين اغصان وارفة الظلال لاشجار الحور والصنوبر الباسقة. ولكن الفردوس باد أمام زحف عمراني محموم في الاربعين عاما الاخيرة وتحول الى مباءة من الارض البور والمياه الآسنة التي تزكم رائحتها الانوف. قال مهندس يعمل في مشروع طموح لانقاذ القرن الذهبي واعادة أمجاده مشيرا الى نقطة على الخريطة في أقصى القرن (هنا كانت ترسو السفن. كانت توجد قصور ودور جميلة تخفيها اشجار كثيفة. كما كانت توجد شلالات) . واستطرد بحزن مشيرا الى أرض جرداء بالقرب من كوخه (والان انظر ماذا فعلنا. لا توجد شجرة واحدة. انها كارثة) . يتضمن المشروع اعادة بناء القصور وتطهير الانهار الى أعماق تسمح بقيام سفن برحلات نهرية. ستعج الشواطيء بالمعارض ومختلف أنواع الرياضة ويؤمل ان تتكاثر الاسماك في المياه. كان القرن الذهبي بمحاصيله الوفيرة يزود الامبراطوريات بالغذاء. كما كان الناس يتنزهون وينشدون الراحة بين غاباته وربوعه الغناء. تحدث الرحالة التركي الشهير في القرن السابع عشر ايفليا شلبي عن مهرجانات الصيف في كاجيثانى على طرف القرن حيث كان مهرجون وحواة يقدمون عروضهم. وكانت تجرى هناك أيضا مباريات مختلفة وعروض مسرحية وبرامج فنية أخرى. قال شلبي (لم تكن هناك متعة تعادل متعة القرن الذهبي) . اذن ماذا حدث؟ حتى نهاية خمسينيات القرن العشرين كانت اسطنبول لا تزال تعيش في أجواء الامبراطورية العثمانية التي انهارت بعد الحرب العالمية الاولى واستمرت عاصمة السلاطين تلعب دورا مهما بعد قيام الجمهورية التركية. كانت فترة هدوء بالنسبة لاسطنبول بينما كان العمل يجري لتقوية أنقرة عاصمة الجمهورية. وفي الستينيات استيقظت اسطنبول على كابوس أقض مضجعها حين تدفق على المدينة الذهبية سيل من الوافدين من اقليم الاناضول الفسيح. كانوا يبحثون عن عمل بينما كانت الصناعة التركية الوليدة في حاجة الى عمالة رخيصة. وكان القرن الذهبي الميناء الداخلي بالمدينة أفضل مكان للتجارة والصناعة. كما قامت هناك صناعات خفيفة في عهد الامبراطورية العثمانية. تزايد عدد سكان اسطنبول من مليون نسمة في الخمسينيات الى مليونين في الستينيات و3.2 مليون في السبعينيات ثم 5.4 مليون في الثمانينيات و3.7 مليون في التسعينيات ووصل عدد سكانها الان الى أكثر من عشرة ملايين نسمة. وتنتج المدينة نحو 38 في المئة من انتاج صناعات تركيا وتحقق 40 في المئة من اجمالى ايرادات الضرائب. استقر الوافدون في أي مكان استطاعوا البقاء فيه. وتحولت الوديان التي كان يرويها النهران في القرن الذهبي الى مناطق سكنية عشوائية. دمرت الاشجار وفاضت المجاري بدون اصلاح. ثم دوت أجراس الانذار في الثمانينيات وبدأت عملية انقاذ القرن الذهبي في اواخرها. أزيلت مصانع لاقامة متنزهات. ولكن ازالة الاوحال والمخلفات المترسبة تستغرق عدة أعوام. كما استخدمت معدات حديثة لتطهير القرن الذهبي وتنقية مياهه من التلوث. وتقول بلدية اسطنبول انه تم انفاق 500 مليون دولار في السنوات الست الماضية وحدها لتطهير مياه القرن الذهبي. بدأت الجهود تثمر وأعلن البروفيسور خليل ابراهيم من جامعة اسطنبول الشهر الماضي انه اكتشف وجود نحو 16 نوعا من الاسماك في مياه القرن الذهبي. كما عاد الى المنطقة أناس أمضوا وقتا هذا الصيف يستظلون بالاشجار أو يسترخون على الشاطىء. ولكن لا تزال مبان تبدو مثل بثور تشوه وجه القرن الذهبي. بيد أن مهندسين يقومون بعملية تجميل وتطهير لهذه البقعة يأملون في عودة أمجادها الغابرة. رويترز