عالم الغيب : الله سبحانه وتعالى عالم الغيب لا شريك له فيما غاب به عن خلقه من الملائكة أو الجان أو الانسان كما أشارت إلى ذلك الآية 59 من سورة الانعام (وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو) صدق الله العظيم. وقد قسم العلماء عالم الغيب إلى قسمين, يكون القسم الأول فيه ما اختص الله بعلمه فلا يطلع عليه أحدا من مخلوقاته ولا يعلمه أحد إلا الله, وأطلق عليه اسم الغيب المطلق, ومن هذا الغيب الجنة والنار والروح والملائكة والجان, فكلها لا نراها ولا نملك من أمرها شيئا ولانراها بعين اليقين إلا ما جاء في علم اليقين في كتاب الله العظيم وهو القرآن الكريم. أما القسم الثاني من الغيب فهو غيب وقتي محدود بفترة زمنية ثم يفتح الله بعلمه من هذا الغيب إلى بعض مخلوقاته, كما يحدث في القوانين الكونية التي فتح بها على العلماء, فقانون الطفو الذي اكتشفه العلامة أرشميدس كان غيبا وقانون مغادرة مركبات الفضاء وغزو القمر كان غيبا, ولكن الله جل شأنه فتح على العلماء بهذا العلم على مراحل ثم أخذ الاجتهاد والتفكر والتدبر في الوصول إلى هذا الغيب الوقتي, وهو في الحقيقة بداية ميلاد المعلومة العلمية للبشرية, ولذلك خرج إلى الوجود من علم الله إلى علم البشرية بأصغر كلمة علمية وهي (كن) لأن موعد ميلاده المحدد من الأزل قد حان ليصل إلى البشرية على يد هؤلاء العلماء المجتهدين. ومفاتيح الغيب المطلق خمسة كما جاء في سورة لقمان آية 34: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت) صدق الله العظيم. فعلم الساعة مفتاح للغيب الأخروي, ويحاول العلماء تحديد موعد موت شمسنا ولكنهم يفشلون, وعلم انزال الغيث مفتاح للغيب المتصل بالماء وحالة الطقس وفشل علماء الأرصاد بكل ما أوتوا من أجهزة وأقمار صناعية في تحديد نشرة جوية صادقة, وعلم ما في الأرحام مفتاح للغيب المتصل بالخلق والتكوين وليس المقصود بعلم مافي الأرحام من ذكر وأنثى, فقد وصل علماء الطب إلى تحديد النوع في بطن أمه, ولكن بعد فترة من الحمل وليس في لحظة التصاق الحيوان المنوي بالبويضة ولا يعلمون ان كان سعيدا أم شقيا, هناك أمور كثيرة ليس مفتاحها في يد أحد سوى الله, وعلم ما تكسب النفوس مفتاح لغيب الكسب والأرزاق, وعلم مكان الموت مفتاح لغيب الآجال والنهايات, وصدق الله في قوله في سورة النمل آية 65 (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون) صدق الله العظيم. عالم الشهادة الله سبحانه وتعالى هو عالم الشهادة بأزمنتها الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل, أما نحن البشر فلا نشاهد إلا ماضيها فقط, وخير دليل على ذلك هو ما يحيط بكوكب الأرض خارج السماء الدنيا مثل الشمس والقمر والكواكب والنجوم والمذنبات وما إلى غير ذلك من المخلوقات الكونية. وقد اكتشف الانسان ذلك بعد اكتشاف سرعة الضوء في عام 1676 بواسطة العالم رومر والذي قام بقياس سرعة الضوء بطريقة فلكية وذلك بمراقبة أقمار المشتري وتتابعت القياسات لتسجل ان سرعة الضوء تساوي 299792.5 كيلومتر/ثانية, حيث تكتب أحيانا للتقريب 300 ألف كيلومتر /ثانية وبناء على سرعة الضوء المكتشفة فإننا حينما نشاهد شروق الشمس بحاسة البصر تكون رؤية لماضيها منذ 8.3 دقائق حيث المسافة المتوسطة بين الشمس وكوكب الأرض تبلغ 93 مليون ميل, ولكي يتم مشاهدة الشمس لابد ان يدخل في ذلك معامل سرعة الضوء حتى نراها بعد شروقها, وإذا أخذنا مثالاً آخر لكوكب المشتري وهو الكوكب العملاق والذي يبعد عنا بمقدار 400 مليون ميل, فإنه يحتاج الضوء المنعكس من كوكب المشتري 35 دقيقة حتى يمكن رؤية هذا الكوكب العملاق, ولذلك فنحن نرى الماضي لشروق كوكب المشتري بمقدر 35 دقيقة. وبالمثل مجموعة نجوم العقرب وهي أحد البروج السماوية والتي يبعد عنها نجم قلب العقرب بمقدار400 سنة ضوئية فإن هذا الأمر يعني رؤية هذا النجم على حاله من 400 سنة ميلادية وبالتالي قد يموت هذا النجم ويتلاشى ونحن لاندري انه مات لأن رحلة ضوئه مازالت مستمرة حتى ينقطع استمرار الضوء بعد400 سنة, فيكتشف العلماء موته متأخرا عن الموعد الحقيقي بنفس المقدار الذي يبعد عنا به وهو 400 سنة فكيف لنا ان نعرف المستقبل ونحن لا نعلم حتى حاضرنا وكل ما نعرفه هو ماضي الشمس والكواكب والنجوم, أما الله جل شأنه فهو عالم الغيب والشهادة وهو خالق الزمن وبالتالي هو الأعلم بكل ماخلق لأنه هو الأحد الذي يحيط بكل شيء علما, وإذا وضعنا صورا من الخيال العلمي وبفرض وجود مخلوقات ذكية لديها مراقب فلكية جبارة ومتقدمة عما هو موجود على كوكب الأرض, فإذا كان الكوكب الأول على بعد خمسة آلاف سنة ضوئية فإنه يرى كوكب الأرض وهم يشيدون الأهرامات, وإذا كان الكوكب الثالث على بعد 1400 سنة ضوئية منا فإنه سيرى نور الاسلام وهو ينتشر في الجزيرة العربية, وسيرى أعلام لا إله إلا الله وهي تتقدم إلى الهند شرقا ومصر غربا. إن حاضر الزمن يقف حائلا بين المخلوقات الكونية وبعضها وذلك دون مشاهدة ما يحدث لحظيا, أما الله سبحانه وتعالى فإن الزمن مخلوق له ولا تجري قوانين المخلوق على الخالق ولنتدبر هذه الآية 44 من سورة فاطر (وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض انه كان عليما قديرا) صدق الله العظيم. ولنتفكر ان الله العلي القدير هو عالم الغيب والشهادة كما أشارت إلى ذلك آية 73 من سورة الأنعام (عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير) صدق الله العظيم. الانسان والمكان والزمان عرفنا ان الله جل شأنه هو عالم الغيب والشهادة, وان الشهادة في مضمونها الزمني تعني الماضي والحاضر والمستقبل, وانه ليس للانسان من علم خارج كوكب الأرض إلا بالماضي فقط وهو يعيش على كوكب الأرض بالحاضر فقط, أما المستقبل فيأتيه في مكان معين وزمان محدد ليس لنا بهما أي علم, والمكان يعتبر عنصراً متغيراً سواء أكان على كوكب الأرض أو غيره وذلك باختلاف خطوط العرض واختلاف خطوط الطول. أما الزمان فمعرفة حساباته على كوكب الأرض, وتمكن الانسان من اختراع آلة قياس الوقت وتقدمت في تحديد طول اليوم بالمزولة إلى الساعة الرملية والمائية والميكانيكية والكهربائية والذرية وأخيرا إلى الساعات الكونية والتي تعتمد في عملها على حركة الذرة, وبالتالي أصبحت دقة قياسها للوقت تصل إلى ثانية كل ألف سنة. ويختلف الزمان من مكان إلى آخر فلو فرضنا ان طفلين ولدا في لحظة واحدة على كوكب الأرض والآخر فرضا على كوكب المشتري, فإن الأول يصل إلى سن الستين بينما يكون عمر الثاني 5 سنوات من سنوات كوكب المشتري, وذلك لأن كوكب المشتري يدور حول الشمس في سنة مقدارها 12 سنة أرضية. ويشير القرآن الكريم إلى نسبية الزمن في اعجاز علمي رائع بقوله تعالى في سورة الحج آية 47: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) صدق الله العظيم, ولهذا فإن اليوم يمثل ألف سنة مما نعد على كوكب الأرض, وهي السنة القمرية, كما انه يمكن النظر إلى هذه الآية الكريمة على انها اشارة للسرعة الكونية العظمى, وقد أشارت أيضا الآية 5 من سورة السجدة إلى نفس المضمون العلمي (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) صدق الله العظيم. ان الله وحده لا شريك له هو القهار وهو القاهر للزمن فحينما يأمر الله عزوجل الزمن بأن يقف دورته لشيء ما فإنه يقف للتو واللحظة وهذا ماحدث لطعام وشراب النبي عزير, وكانت آية الذي أماته الله مئة عام ثم أعاده للحياة على نفس عمره لحظة موته, وكان عمر عزير في لحظة موته ولحظة عودته للحياة أربعين سنة أي ان الزمن لم يسر عليه وأصبح حيث بدا واضحا انه أصغر من حفيده الذي بلغ من العمر سبعين سنة, أما طعامه الذي يتكون من التين وشرابه الذي يتكون من عصير العنب لم يفسدا برغم مرور مئة عام وذلك كما أشارت الآية 259 من سورة البقرة (انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) صدق الله العظيم, انها قدرة الخالق فقط هو الذي يقهر الزمن ويوقفه. وآية أخرى ذكرها الله العلي القدير في الآية 40 سورة النمل: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل ان يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) صدق الله العظيم, وهي معجزة كبرى قد تكون بمقياس سرعة الضوء وقد تكون بمقياس لايقاف الزمن بطرفة العين, ولكنها آيات بينات يصعب علينا فهمها بالمعايير بقياس الزمن خارج كوكب الأرض بل وخارج مجرة درب التبانة التي ننتمي إليها جميعا وهي مجرة من ملايين المجرات التي يحتويها الكون العظيم الذي هو ذرة في ملكوت الله رب العالمين. إعداد: الربان/قاسم لاشين