فضيلة الصدق تدخل في جميع الاخلاق والمعاملات في الأقوال والافعال وجميع الاحوال. والامة التي تبني امورها على الصدق أمة راقية, بعيدة عن الاضطراب والريبة وهذا ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي. وقال حديث صحيح عن الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك الى ما لا يريبك, فان الصدق طمأنينة, والكذب ريبة) فالصدق طمأنينة: لأنه يطابق الواقع ويظهر الحقيقة فلا تلاعب ولا تغيير للحقائق. ولا غش ولا تدليس, انما دلالتها التعبيرية مطابقة لما في نفس فاعلها وقلبه وهي التي ليس بينها وبين ما يخفيه فاعلها في نفسه و قلبه منافاة ولا تعارض. فالمجاهد في سبيل الله الصادق في جهاده هو الذي يكون عمله ترجمة صادقة لايمانه وتكون نيته مطابقة للدلالة التعبيرية التي دل عليها جهاده. ونذكر مثالا على ذلك مفاده ان صحابيا اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم تصحبه نيته الصادقة واندفاعه الايماني ليجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندما يذهب للمعركة ويظفر المسلمون, يعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه, ويتساءل عن هذه العطية فيقال له هذا نصيبك مما أفاء الله على رسوله, فيجيب ما جئت لاطلب مالا انما رجوت ان أنال الشهادة في سبيل الله عز وجل وان يصيبني سهم واشار الى حلقه ليكون شاهدا لي يوم القيامة امام ربي عز وجل, ويذهب الى المعركة فيسأل عنه فاذا به قد استشهد اذ اصيب بسهم في حلقه, واخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: (صدق الله فصدقه الله تعالى) . فصدق النية هو أساس الأعمال وعمادها, يترجم هذه النية الفعل والواقع. الصدق طريق البر: عندما تصدق نية المسلم وعزيمته فان صدقه سيوصله الى كل خير وفضيلة ويجنبه كل شر ورذيلة, فالتاجر الذي يصدق في بيعه و شرائه يفلح وينجح, والعامل الذي يصدق في عمله يكسب أجرا وأجرة, والمسئول الذي يصدق في تحمله للمسئولية سواء كان موظفا أو أبا أو أما أو اخا او اختا, فان صدقهم سيبلغهم الفوز فيما يتحملونه, وصلاح الحال وسيثمر صدقهم ثمرات طيبة تسلك بهم طريق الخير والبر والاحسان طريق الجنة. روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الصدق يهدي الى البر, وان البر يهدي الى الجنة, ومايزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا, وان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا) . وفي رواية: عليكم بالصدق: اي الزموا الصدق في جميع شئونكم تبلغوا منزلة عظيمة وتسلكوا طريق السعادة والطمأنينة هذا الطريق الذي ينشده كل انسان ليحيى حياة لا اضطراب فيها ولا ريبة, والبر: كلمة جامعة لوجوه الخير ومعنى ان الصدق يهدي الى البر, اي ان الصادق نال من الاخلاق اعظمها, ومن الاعمال ارشدها, لأن صدقه نابع من ايمان عميق, يكلله العمل وفق مرضات الله تعالى فلا يقوم بعمل الا ورائده فيه, صدق توجهه, وحسن نيته, والرغبة في الوصول الى ما فيه الخير والرشاد. ولما كان الكذب عنصر افساد كبير للمجتمعات الانسانية, وسبب هدم لابنيتها الحضارية وتقطيع لروابطها وصلاتها, ورذيلة من رذائل السلوك ذات الضرر البالغ, امر الاسلام بالصدق ونهى عن الكذب, واعلن ان الصدق احد الاسس الحضارية التي يقوم عليها بناء المجتمع الاسلامي, ووضع قواعد تربية هذا المجتمع على الصدق واتخذ كل الوسائل الكفيلة بغرس هذا الخلق العظيم في نفوس افراده جميعا صغاره وكباره ورجاله ونساؤه. كيف نتحقق بالصدق: خلق الصدق في حياة الانسان قابل للاكتساب والتنمية عن طريق التدريب العملي المقترن بالارادة الجازمة, لأن من مظاهر الارادة الجازمة تحري الصدق في الاقوال كلها, والذي يتحرى الصدق لا يسمح لنفسه بأن يلقي كلاما جزافا, ولا يسمح لنفسه ان يتبع الأوهام والظنون, وما أكثرها في مجتمعاتنا, اننا نرى اليوم كثيرا من التصرفات حكم عليها غيابيا بدون وجه حق ولا وصول الى حقيقة, فكم من زوجين افترقا نتيجة تلفيق من انسان كاذب نسج من خلال ظنه وشكه وخبث نيته طريقا للتفريق, وكم من شخصية متزنة شوهت نتيجة الكذب والافتراء, وكم من عائلة تشتت وتصدعت من وراء انسان اعتاد الكذب في حياته, لذلك لابد من العزيمة والارادة وتحري الحقيقة للوصول الى الصدق الصادق, كما نحتاج الى مراقبة الله عز وجل في جميع تصرفاتنا وبذلك نتخلص من رذيلة الكذب التي توصل صاحبها الى النار. فالصدق في أقوالنا اقوى لنا والكذب في افعالنا أفعى لنا بقلم: أحمد عمرالنعمة