ما من شك ان مجتمعنا العربي الاسلامي يعيش حالة من الصراعات الفكرية تصل احيانا الى حد القطيعة بين القوى المكونة لوعيه الاجتماعي والسياسي والثقافي.. ومن اهم وأولى القضايا الذي لا يزال السجال والنقاش يدور حولها قضية العلمانية ، خاصة وانها تأتي اليوم للرد على التيارات الأصولية المتنامية في بلادنا العربية, الداعية الى اعادة الاعتبار للدولة الدينية.. ولما لهذه القضية من اهمية التقت (البيان) كلاً من الدكتور احمد برقاوي رئيس قسم الفلسفة في جامعة دمشق كلية العلوم الانسانية والدكتور بديع السيد اللحام وكيل كلية الشريعة للشئون الادارية مدرس بقسم علوم القرآن والسنة. وقد اجاب الدكتور البرقاوي على اسئلة (البيان) وفيما يلي نص اللقاء: * تتعالى في الآونة الاخيرة صيحات من قبيل العلمانية بوصفها خيارا ضروريا لمستقبل العرب.. ما رأيكم في مثل هذا الطرح؟ ـ ما يجري من الاختلاف بين من يتناولون العلمانية حول معناها في البداية, فيخلطون بين العَلمانية والعِلمانية, معتقدين بأن الامر شيء واحد وان المسألة ليست على هذا النحو. فالعَلمانية مشكلتها الاساسية الدعوة الى فصل الدين عن الدولة, اما العِلمانية من العلم فهي تأكيد النظرة العلمية للعالم, ليس بالضرورة ان يكون كل شخص مؤمن بالعلم هو عَلماني, وليس بالضرورة ان يكون كل شخص مؤمن بالمعتقدات الدينية هو علماني اذا كانت العلمانية هي فصل الدين عن الدولة اي تقسيم استقلال ما هو دنيوي عن ما هو ديني فالعلمانية هنا لا تناقض الايمان بل سلطة الايمان وبالتالي انت تجد ان فكرة العلمانية حاضرة عند محمد عبده وهو مفتي الديار المصرية وحاضرة عند علي عبدالرزاق وحاضرة عند كثير من المسلمين كما هي حاضرة عند غيرهم لكن السؤال: ما هو السبب في اعادة طرح مشكلة العلمانية؟ نحن نعرف بأن العلمانية كمشكلة وكشعار جاءت في مقتبل القرن التاسع عشر, فما الداعي لظهور شعار العلمانية في نهاية القرن العشرين, الواقع ما كان يمكن لها الظهور من جديد إلا في اطار الرد على الاصولية الاسلامية, فتوسع الحركات الاصولية وطرحها الدولة الدينية اي العودة الى فكرة الحاكمية لله قد جعلت التيارات التي كان من شأنها انها تجاوزت العلمانية الى ما هو ارقى, تعود مرة اخرى لتطرح دولة علمانية كنقيض للدولة الدينية التي تصنعها التيارات الاصولية الاسلامية وبالتالي كأن العلمانية هي رد فعل على هذه التيارات ودائما ردود الفعل لا تؤخذ بعين الاعتبار, واذا ما حصرنا القضية في مشكلة العلمانية فإننا لا نستطيع ان نطرح مشكلة الدولة على نحو صحيح لان المشكلة الحقيقية في الدولة ليست اذا كانت علمانية او دينية مشكلة الدولة اذا كانت معبرة عن المجتمع او غير معبرة, وبالتالي قد تكون هناك دولة علمانية ولكنها مستبدة فهل هو هذا الحل؟ النازية دولة علمانية والدولة الفاشية علمانية وكثير من الدول العربية علمانية ولكنها مستبدة. إذن من وجهة نظري: هناك ضيق افق في طرح العلمانية كخيار نهائي للعرب, المشكلة الاعمق هي طرح الدولة الديمقراطية, وانها في النهاية تقود بالضرورة الى العلمانية, اما العلمانية فلا تقود بالضرورة الى الديمقراطية. في الديمقراطية ينمو المجتمع بكل ابعاده, اي تتحول تناقضاته الى تناقضات ذات شخصية مدنية بحيث يبدو العلم والنقابة والنادي والجامعة تعبيراً عن هذه التناقضات التي لا تأخذ صيغة تناحرية, بل تأخذ صيغة استلاب التناقضات لتنتج في النهاية ما يسمى بالمجتمع الديمقراطي الذي يحاسب على علمانية الدولة, ولكن في دولة علمانية غير ديمقراطية لا وجود للمجتمع المدني ولا للديمقراطية فيجب ان نتجاوز الطرح العلماني الضيق الى الطرح الديمقراطي الاوسع والاشمل. * افهم انك تعتبر ان الديمقراطية الخيار الوحيد وليس غيره؟ ـ لا.. أمام التقدم التاريخي العربي الديمقراطية ليست خيارا طوباويا في الخمسينيات عندما كان يجري انقلاب عسكري تصفق له الناس, وكان اول ما يفعله الانقلاب العسكري يلغي الدستور ويحل البرلمان لكن الآن النزوع العام في الوطن العربي هو نزوع نحو الديمقراطية, لان العذابات الذي تعرض لها المواطن العربي عبر سنوات من غياب الحرية والديمقراطية قد ولدت الرغبة الشديدة في بناء المجتمع الديمقراطي. من جهة اخرى الديمقراطية وحدها الكفيلة على القضاء على التيارات العنيفة الاصولية لانك اذا اعطيت الحرية للبشر فيما يختارون ووضعتهم في مجال من الحرية اوسع لما وتجدت تيارات سرية واحزاب عنيفة وما شابه ذلك تبدو الفرص متساوية امام البشر للتعبير عن طموحاتهم الانسانية والاجتماعية والاخلاقية والاقتصادية وما شابه ذلك. * لكن اريد ان افهم.. هل هناك تناقض بين الطموح العلماني والطرح الاسلامي ام لا؟ ـ اذا اخذت المسألة من زاوية ايديولوجية الحاكمية لله, والعلمانية كأيديولوجية طبعا يوجد تناقض لان فكرة الحاكمية لله هي الحكم المقدس وبالتالي فرض المقدس على الناس بالقوة, اي انك تصادر على خيارات الناس والايديولوجيات الاخرى, من ناحية ثانية الدولة العلمانية بمعنى من المعاني لا تكترث بالمقدس تعطي للناس حرية الخيارات الايديولوجية المتعددة, لكن العلمانية لا تزدهر فقط في دولة علمانية بل في دولة علمانية ديمقراطية, عندما تكون هناك حاكمية لله وتنتج دولة دينية مثالية فإنها لا تختلف اطلاقا عن دولة علمانية مستبدة كلاهما مستبد وقد تستغرب قولى (انا لست علمانيا طبعا) لكن انا لا اقصر خيارات الامة في زاوية ضيقة لانني اذا حصرتها في هذه الزاوية الضيقة لا اختلف عن الاسلامي المتشدد والعلماني المتشدد كلاهما من نفس الطينة لماذا؟.. لأن هذا نقيض الآخر نظريا لكن عمليا هما شيء واحد وهنا لابد لنا من ان نجد حلا يتجاوز ضيق الافق الديني والعلماني, من زاوية ثانية الاسلام, كإسلام دين ليس نقيضاً للعلمانية ويجب ان نميز بين نوعين من الاسلام دين شعبي وهو الاسلام الحاضر بين الناس في حياتهم اليومية في البيع والشراء والزواج وعادات الجيران والصلاة والصوم وما شابه ذلك. هذا دين يوضح علاقة المخلوق بالخالق, وهذا الدين الشعبي الذي هو في جوانبه الكثيرة اخلاقي, وليس من شأن العلماني او الديمقراطي ان ينال من هذا الدين لانه ينال من البشر ككل, وهناك الاسلام اللاهوتي الذي ينتظم في ايديولوجيات سياسية, هذا هو التأويل السياسي, فالاسلام في حقيقته ليس ايديولوجية سياسية وليس حزبا عنفيا وليس حركة اصولية بل هو علاقة بين الانسان وخالقه, من هذه الزاوية الاسلام كدين شعبي لا يتناقض مع الطرح العلماني, اما الاسلام كلاهوت كدعوة الى دولة دينية اساسها الحاكمية لله, تتناقض مع العلمانية, وعلني اضيف هنا شيئاً مهماً ان تناقضات الوطن العربي لا تنحصر في اطار دولة دينية او غير دينية هناك التناقض مع العدو الصهيوني والتناقض مع فكرة التبعية للعالم الاوروبي, وهناك التناقض الناتج عن التخلف, هناك التناقضات بين المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث, اشكال متعددة من التناقضات. * لكن هل هناك فكرة لحل هذه التناقضات؟ ـ بالطبع فأنا اعتبر ان الديمقراطية تتيح امكانية الخيارات المتعددة لحل كل هذه الاشكالات التي نعيشها في الوطن العربي, لذلك كلما كان المجتمع ديمقراطيا كان اقدر على مواجهة العدو الاسرائيلي والعكس كلما كان المجتمع استبداديا فهو اقل قدرة على مواجهة التناقضات. * إذا كانت العلمانية من وجهة نظر الكثيرين أضيق من ان تتناول مشكلات العرب الراهنة,, فما هي الخيارات المتبقية لاحداث ما يسميه البعض مشروعا نهضويا جديداً؟ ـ يجب ان تنطلق أولا من فهم وتفسير للواقع الراهن, دون هذا لا تستطيع ان تحدد الخيارات, وقبل ان أبرز لك تناقضات الواقع الراهن, لابد من التطرق إلى نقطة منهجية غاية في الاهمية وهي ان هناك علاقة بين الامكانية والارادة, فالارادة لا تستطيع ان تفعل كل شيء في النفس ولا تستطيع ان تقوم بما هو مستحيل, إذاً حقل فعل الارادة هو الامكانيات التي ينطوي عليها الواقع والتاريخ بذاته, فقيام وحدة عربية شاملة من المحيط إلى الخليج هو أقل بكثير من قيام وحدات في الوطن العربي أو امكانية قيام اتحادات تفضي إلى قيام وحدات انمائية وامكانية هزيمة اسرائيل أي بوضع حد لطموحاتها التوسعية أكثر من امكانية ازالتها الآن. إذا على الارادة ان تتعامل مع حقل الامكانيات وعندما أقول تتعامل مع حقل الامكانيات فأنا أتناقض مطلقا مع تلك الادعاءات العقلانية والواقعية وروح العصر التي تفوح منها رائحة الخيانة الوطنية. البعض يقول ليس هناك أفضل مما هو كائن من أجل ان يبرر استسلامه للواقع, الأمر ليس على هذا النحو فالأمر هل هناك امكانية لتجاوز التخلف الاقتصادي الاجتماعي في الوطن العربي أم لا؟ إذا كان هناك امكانية فما هي الشروط التي تنقل امكانية كهذه إلى واقع لوجود الامكانية نفسها. وهنا لابد لي من التساؤل عن ماهية المشكلات؟ وكيف أفهم الواقع العربي؟ في الواقع انه في السنوات الثلاثين الأخيرة تطورت المجتمعات تطورا موضوعيا, هذا التطور الموضوعي برز على مستوى العلاقات الانتاجية الاقتصادية, على مستوى الوعي والعلاقة بالعالم تطور المجتمع, لكن الدولة لم تتطور بتطور المجتمع فصارت كابحاً لسرعة تطورالمجتمع, وهناك وعي شعبي بأن هذه الدولة العربية مناقضة لتطور المجتمع من جهة ومناقضة لروح العصر من جهة ثانية, والعالم ودع المرحلة الاستبدادية. * ومتى تتساوى المسائل بين الدولة والمجتمع؟ ـ يجب ان أحدثك عن نمطين من الدول العربية وتناقضهما مع المجتمع دولة متناقضة مع المجتمع وقانون العصر ودولة متناقضة مع روح العصر دون ان تكون متناقضة مع المجتمع, لكن تناقضها مع روح العصر ينتج ردة فعل ضد هذه الدولة. يجب قبل كل شيء حل مشكلة السلطة السياسية بعدها لابد من حل كل المشكلات التاريخية المعاصرة, مشكلة الوحدة القومية, التبعية, الفقر, تزايد السكان, مواجهة العدو الصهيوني مشكلة العلاقة مع الغرب. وهنا لابد من الاشارة إلى انه لا فرق بين السياسة والمجتمع اطلاقا لأن الخيارات هي خيارات سياسية يعني من يختار ان يفض التبعية مع الغرب , هذا ليس قراراً اقتصادياً فقط بل سياسياً فيجب قبل كل شيء ان تخلق الارادة السياسية كما أسلفت, لكن خلق الارادة السياسية غير ممكن دون فض العلاقة التناحرية بين الدولة والمجتمع, ويجب ان نخلق دولة متطابقة مع تطور المجتمع وطموحات أفراده, دون ذلك لا حل لأي مشكلة من المشكلات التي تواجه المجتمع. * إذا ما هي الأسباب التي حالت دون تطوير الدولة برأيك؟ ـ لأن الدولة لم تكن مواكبة لتطور المجتمع أو روح العصر أولا, ولأن هناك تاريخاً للدولة في الوطن العربي يقوم على عصبية طبقية أو عصبية قبلية ودينية ثانياً. فالدولة التي نشأت في الخمسينيات في هذا القرن قامت على عصبيات متعددة لكي تستمر وقد بذلت كل جهدها للحفاظ على البنى السيئة التي انتجتها يعني على العصبية التي أنتجت التجزئة, لأن تطور المجتمع يفتت البنى التقليدية, لهذا السبب مارست السلطة ـ الدولة ـ العنف المستمر الذي ولد ركودا اجتماعيا في الارادة مما خلق تناقضاً بين تلقائية تطور المجتمع العفوية الموضوعية, وبين عجز الارادة فاستمرت الدولة. * وهل هناك امكانية لاحداث نهضة عربية في ظل وجود كوابح كثيرة أهمها الدولة التسلطية الشمولية؟ ـ أنا أدعو إلى نفي الخيارات التي تنادي بالتغيير عن طريق الانقلابات العسكرية لأنه لم يعد ممكنا ومن غير المعقول أيضا التغيير عن طريق حركات عنفية حزبية, لأن هذا يدمر المجتمع والدولة الشمولية تبقى أقوى منها, والتغيير عن طريق ثورات كبرى كالثورة الفرنسية والروسية صارت ابنة الماضي, إذ لابد من تغيير بطيء من خلال عملية انهاض المجتمع للوصول إلى مرحلة فرض الخيارات, وقد تقول لي ان كل الدول العربية ستمنع ذلك, أقول نعم, لكن الثمن الذي تدفعه الحركات السلمية أقل من الثمن الذي تدفعه الحركات العنفية, وبالتالي الفكر مع النقابة ومع الصحيفة والمظاهرة, كل هذا قد يولد الشعور بهذه الدولة لاحداث تغيير ما. ولعلنا نشهد تغيرات بطيئة هذه الأيام, والتغيرات البطيئة أقوى بكثير من التغيرات السريعة, التي لا تنتج إلى الفوضى وبالتالي يجب ان نتمتع بنفس طويل في عملية التغيير الاجتماعي. * هناك رؤى مختلفة لمستقبل العرب, هل تدرون ان هناك مجالاً لتوحيد هذه الرؤى, أم ان وجودها متنوعة عامل ايجابي وليس سلبيا؟ ـ في الخمسينيات كانت الايديولوجيات متعصبة, فالآخر هو المخطئ وقد لا يكون وجود للآخر أصلا, الآن كما ترى هناك حوار بين التيار القومي والتيار الاسلامي والاسلامي والماركسي وبين القومي والماركسي وبين الليبرالي والديمقراطي, ففي هذا المعنى نجد انه لم يصل المجتمع على الاقرار بالآخر والحوار معه إلا بعد ان استنفد كل أشكال الايديولوجيات الشمولية. وان الديمقراطية هي التي تشكل الارادة لكل هذه الاتجاهات, وتبقى المشكلة الأساسية هي كيف يمكن ان نقيم مجتمعا ديمقراطيا ودولة ديمقراطية تنهض بأعمال الوطن, وما هو دور المثقف في هذا الاطار وبصماته في أي عملية تغيير في هذا المجتمع وتأصيل اخلاقية تقوم على التنوع والتعددية واحترام الآخر أيا كان اتجاه هذا الآخر. * أما الدكتور (بديع اللحام) فقد أجاز بالقول: ان ظهور العلمانية جاء نتيجة طبيعية لمشاكل كانت وليدة المجتمع الغربي, وهي عبارة عن نظام يرى بأن الدين وشئون الكنيسة والرهبنة لا ينبغي ان تدخل في أعمال الدولة وبالأخص التعليم العام. واعتبر د. اللحام أن المشكلة الأساسية التي تولدت العلمانية نتجية لها تتمثل في ان الكنيسة في العصور الوسطى كانت صاحبة السلطة المسيطرة وعندما بدأ الانسان الأوروبي يدخل مضمار الكون مستكشفا آفاقه وباحثا ومحللا لمكوناته ووصل إلى نظريات علمية كونية كقانون دوران الأرض حول الشمس, وقانون الجاذبية, عند ذلك وجد معارضة حادة من الكنيسة التي رأت في ذلك ما يمكن ان يحد من سلطتها, فاتهم بالزندقة والالحاد والمروق, وتبادل الطرفان الاتهامات, وقد أودى ذلك الصراع بحياة عدد من المكتشفين والمخترعين على مقصلة الكنيسة. في ظل هذه الظروف ولد التصور العلماني لدى بعض المفكرين الغربيين كحل لهذه المشكلة, وقد تمثل هذا الحل على أساس توزيع السلطة وتقسيمها إلى سلطة زمنية تمثلها الدولة المدنية, تعنى بشئون السياسة والاقتصاد والتعليم.. إلخ. وسلطة دينية تمثلها الكنيسة تعنى بشئون الاسرة (مراسم الزواج والطلاق) وطقوس الوفاة ونظام الرهبنة. وفي معرض حديثنا سألناه عن كيفية انتقال هذه الفكرة إلى العرب والمسلمين وأسبابها وأهدافها؟ قال الدكتور اللحام: هذا الأمر راق لبعض المفكرين والدارسين المسلمين والعرب الذين درسوا في الغرب ولم يكن لديهم تصور مسبق عن النظام الاسلامي, أقصد لم يكن لديهم تصور متكامل وشمولي بل كان الاسلام في تصور أولئك عبارة عن مجموعة من الطقوس الموروثة, أو هكذا أوصى لهم أساتذتهم من الغرب. وعندما جاء هؤلاء إلى بلادهم أحبوا ان يستفيدوا مما رأوه في الغرب فقدموه على شكل مناهج سميت اصلاحية وهم معذورون في تصوراتهم لأنها نشأت في ظل جهل بحقيقة الاسلام بوصفه نظاما متكاملا. الإسلام نظام رباني يعطي تصوراً شاملا للوجود والكون والحياة والانسان, ويضع ضوابط لعلاقات الانسان في كافة الاتجاهات, فيضبط علاقة الانسان بربه بشكل مفصل من خلال العبادات, ويضبط علاقة الانسان بالدولة من خلال ضابط عام يتمثل بما يسمى نظام ـ الشورى ـ وكذلك ضبط علاقة الانسان في أسرته من خلال أحكام الأسرة المفصلة إلى حد كبير, ووضع ضوابط عامة في مجال الاقتصاد والاجتماع..إلخ. ولم يترك الاسلام ان ينوه بعلاقة الانسان بالكون, فنظرة الاسلام إلى الكون تتجلى في ان هذا العالم بكل ما فيه من مخلوقات مسخر للانسان وهو مستخلف فيه ليعمره, وعمرانه لا يكون إلا بالنظر بما أودعه الله عز وجل في هذا الكون من قوانين طبيعية أمر الانسان باكتشافها ليستطيع تسخير الكون على الوجه الأكمل طلبا لرفاهيته وسعادته وراحته. وفي ردة على ان الاسلام حقيقة كلية بعد أكثر من قرن ونيف؟ قال اقرأ قوله تعالى: (ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) . هذه الآية وآيات كثيرة سواها داعية إلى النظر والتفكر والبحث والتحليل وصولا للتسخير واستكشاف آفاق العلم والمعرفة والاستفادة منها. إذا فالإسلام نظم شئون الانسان والدولة والعلم على حد سواء, وأعطى المجال للعقل والتفكير ان ينطلق محققا طموحات الانسانية في سبيل الأخذ بناصية الكون من أجل راحته ورفاهيته المنشودة. أما في موقف الدين من العلمانية, فقد أجاب بالقول: بناء على ما تقدم فإن الدين نظام متكامل لا يحتاج لأي نظام غريب عنه لاتمامه واصلاحه فهو متكامل, ولذلك فهو ليس بحاجة للعلمانية. وإذا كان يتفق الدين مع العلمانية في بعض النقاط فهذا لا يعني انه استفاد من العلمانية كما ان الاسلام في بعض النقاط يتفق مع أنظمة أخرى اقتصادية وسياسية, فليس من الانصاف ان يوصف الاسلام بتلك الأنظمة فلا يصح ان نقول اسلام علماني واسلام اشتراكي فالاسلام هو الاسلام, والعلمانية أو الاشتراكية أو أي نظام وضعي آخر قد تلتقي مع الاسلام لكن لها جذور غير اسلامية. وعلى سبيل المثال لا الحصر ان ماركس مؤسس الشيوعية قد استفاد هو من الاسلام لانتاج فلسفته, ونابليون أيضا عندما وضع القانون الفرنسي استفاد بشكل كبير من الفقه المالكي المنتشر في بلاد المغرب العربي. إلا ان تلك الأنظمة والفلسفات أفرغت النقاط التي استفادتها من الاسلام من مضمونها الروحي وأصبح معيار الثواب والعقاب عند تلك الأنظمة مقياسا ماديا بحتا. فأصبح التزام المتمسك بتلك الأنظمة التزام خوف ورهبة من القانون فإن غابت رقابة القانون انتشرت الجريمة, بينما الاسلام وضع بقانونه وتشريعه بعدا ايمانيا يجعل الانسان المسلم ملتزما بأحكام التشريع في وجود السلطة التنفيذية المطبقة للنظام وفي غيابها, لأن المعيار الأساسي في العملية هي رقابة الخالق عز وجل أو ما نستطيع تسميته الوازع الديني. لهذا كله وأكثر لسنا كأمة إسلامية بحاجة إلى العلمانية كنظام للحياة. دمشق ـ حوار عبدالكريم محمد