قد لا تكون رائعة نجيب محفوظ (السمان والخريف) ماثلة في اذهان الصيادين الفقراء الذين يبكرون الى الشاطئ قبل الشروق سعيا وراء الرزق. غير ان اقتراب الخريف يعني لديهم موسم صيد السمان... والزواج. فعلى امتداد 200 كيلومتر على شواطيء سيناء الشمالية يشرع مئات من البدو ومن اهالي العريش هذه الايام في (المناصب) لا تعدو كونها اكواخا من جريد النخل المنتشر بكثافة على طول الشاطيء. أمامها او بالقرب منها ينشر الصيادون شباكهم لاصطياد الطائر المرهق المهاجر من المناطق الباردة بحثا عن الدفء في فصل الشتاء لينتهي به الامر اسيرا في شباك صياد باحث عن الرزق. السمان او الفري كما يطلق عليه في الشام او السلوى كما يسميه القران الكريم طائر من فصيلة الشحروريات يصاد للحمه اللذيذ. ولان السمان من انواع الطيور المهددة بالانقراض تفرض السلطات في مصر ضوابط على صيده وللحفاظ على انواع الطيور الاخرى المهاجرة التي يوقعها حظها العاثر في شباك الصيادين. يقول عبدالله الحجاوى مدير ادارة شئون البيئة بشمال سيناء ان الصيد ممنوع بشكل قاطع في محمية الزرانيق الطبيعية الممتدة لحوالي 30 كيلومترا في شمال سيناء وذلك في اطار جهود المحافظة لحماية الانواع المهددة بالانقراض. صيد السمان مهنة من اقدم المهن التي يمارسها سكان المناطق الساحلية في سيناء. لكنها مهنة موسمية لا تمتد لاكثر من شهرين كل عام هما موسم هجرة السمان السنوية. في النصف الثاني من شهر اغسطس من كل عام تخرج كثير من القبائل البدوية واهل العريش الى الشاطيء لاقامة المناصب الخاصة بهم لاصطياد السمان في المناطق المسموح فيها بالصيد. وبالاضافة الى محمية الزرانيق الطبيعية التي يحظر الصيد فيها نهائيا ثمة ضوابط اخرى يتعين على الصيادين الالتزام بها مثل طول الشباك وارتفاعها والفواصل التي لا بد من وجودها بين شبكة واخرى. يقول الحجاوي ان طول الشباك يكون في حدود مئة متر للشبكة الواحدة وألا يتجاوز ارتفاعها ثلاثة امتار وان تكون على مسافة لا تقل عن خمسين مترا من الشاطيء وان تكون هناك مسافة خالية من الشباك لا تقل عن 25 مترا بين كل شبكة واخرى. وتستهدف هذه الضوابط السماح لاكبر عدد ممكن من الطيور المهاجرة الافلات من شباك الصيادين المتربصة بها. تشمل الضوابط ايضا كما يقول الحجاوي ان يقوم الصياد الذي تقع في شباكه طيور اخرى غير السمان باطلاق سراح هذه الطيور مرة اخرى. كان صيد السمان يمثل دائما قيمة اقتصادية لا يستهان بها لسكان المنطقة محدودي الدخل. لكن الامر لم يعد مجزيا بنفس القدر الان مع تناقص اعداد الطيور المهاجرة كل عام. لكن قيمة الموسم الاجتماعية لا تزال. ان خروج المئات من الاهالي الى الشاطئ واقامتهم هناك اقامة متصلة في المناصب التي يقيمونها يؤدي كما يقول الحجاوي (الى التقارب بين العائلات والقبائل وحدوث تزاوج ونسب بينهم) . يقول الحجاوي ان موسم صيد السمان يبدأ من شهر سبتمبر حيث تزداد موجات السمان المهاجر اعتبارا من العاشر من ذلك الشهر وينتهي الموسم في شهر اكتوبر. ويشير الى ان كل مواطن يقيم عرائشه ومناصبه في زمام الارض التي يمتلكها او التي قام باستئجارها. تبدأ عملية الصيد مع اول ضوء للفجر حيث يخرج الصياد ينتظر السمان القادم من البحر. وفي هذا التوقيت فان الطائر المجهد من الرحلة لا يرى الشباك المنصوبة فيقع فيها. ويتعين على الصياد المسارعة باخراج الطائر من الشباك حتى لا يموت. شباك صيد السمان شباك ذات خصائص معينة وهي تتكون من جزئين رئيسيين الاول يطلق عليه الاهالي (الحائط الصادي) اي الذي يصد الطيور فلا تستطيع الافلات منه وجزء اخر يطلقون عليه اسم (حجر عين) وله عيون ضيقة جدا لا يستطيع الطائر الذي يفلت من الجزء الاول الهروب من الجزء الثاني نهائيا. وتشهد العريش ايام الخميس من كل اسبوع خلال الشهرين المقبلين اسواق بيع السمان للذواقة والتجار الذين يتوافدون عليها من مختلف ارجاء مصر وكذلك عبر منفذ رفح الحدودي. يقول الحجاوي ان طائر السمان اوشك على الانقراض بسبب عمليات الصيد والموت الطبيعي نتيجة عمليات الهجرة الى مصر واثناء العودة الى اوروبا وان معظم من يقومون بالصيد الان هم من كبار السن بسبب انخفاض العائد الاقتصادي الذي يتراوح بين الف والفي جنيه مصري للصياد خلال الموسم. لكن الخريف في مصر سوف يظل مرتبطا في اذهان الكثيرين بموسم صيد السمان ... والزواج. رويترز