يعتقد الغالبية من الناس وربما يكون ذلك الاعتقاد صحيحا إلى حد ما بأن المثقفين هم النخبة المؤهلة لقيادة الرأي العام وصياغة توجهاته وفقا لما يعتمل بالواقع من أحداث وتطورات, بما يلبي الطموح والرغبة المجتمعية في التفاعل مع قضايا الناس وهمومهم . والتعاطي مع واقعهم وتلمس قضاياهم التي يصعب التعبير عنها أحيانا إما لغياب العمل المؤسسي وضعف مؤسسات المجتمع المدني أو تدني الوعي الحقوقي وفرص المشاركة الشعبية. وإذا كانت الأوساط الأدبية والثقافية في الوطن العربي اليوم تشكو حالة الوهن التي وصلت إليه جراء الأوضاع العامة التي تسري في مفاصل المجتمع العربي على امتداد رقعته فإنه من الصعوبة بمكان محاكمة المثقفين وتوجيه سهام النقد إليهم لدورهم المفقود في الحياة العربية بمعزل عن نبش تفاصيل الواقع العربي بكل خيباته وآلامه وانكساراته, لان أداء الكل بمختلف تفرعاته (السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري) يفضي إلى صياغة توجهات ورؤى المجتمع وأدائه الجمعي, وهو الأمر الذي يشير إلى ان المثقفين وحدهم غير قادرين على أن يقودوا عملية التغيير سيما وانهم لا يملكون الوسائل الضاغطة والامكانيات التي تؤهلهم للتأثير على القرار السياسي أو إحداث تغييرات جذرية بالمجتمع. ولا شك أن المثقف لا يمثل قوة مستقلة أو بديلة عن قوى أخرى, وانه فوق كل الفئات الممثلة للمجتمع أو أكبر منها, فقوة المثقف مستمدة من ثقافة المجتمع التي يمثلها ومن المواقف التي يتخذها للتعبير عن هذه الثقافة وبالتالي فأهميته تتوقف على الأدوار التي يمتثل لها بتفاعله الخلاق مع القضايا العامة وسعيه الدؤوب لتخليق أنماط جديدة من الأساليب والأدوات التي تفضي إلى التحديث والتقدم انطلاقا من مسئولياته التاريخية والأخلاقية تجاه المجتمع. وبطبيعة الحال يمكن القول انه ليس هناك مثقف محايد, لان الثقافة أية ثقافة لا يمكن أبدا أن تكون محايدة, فالمثقف اما أن يكون مع التقدم أو ضده, اما أن يساعد في التغلب على الصعوبات والتحديات أو أن يثير مجموعة من القضايا الفرعية والهامشية لا ليشغل نفسه بها وإنما ليشغل الآخرين ويثير معارك جزئية من شأنها أن تؤخر وتتعب وبالتالي تساهم في ابقاء حالة التخلف. إن المثقف يفترض أن يتعامل ضمن رؤى أخلاقية وان ما يوجهه قيم التاريخ ورؤى المستقبل وبالتالي فإن عليه واجبات والتزامات تتجاوز الآني والعارض ويجب أن يكون شاهد عصره. صالح القاضي