الانتقال من بقعة محددة عرف بها المبدع لعدة اعوام, ثم الانتقال الى موقع اخر, اكثر جدة ودراية وشعورا بالمسئولية, تعني الشيء الكثير. وهذا ما ادركه من قبل الفنان المجتهد: محمود ابوالعباس عندما تخلى نهائيا عن المساهمة في عروض المسرح التجاري.. وتلاه هذه المرة ـ الى حد ما ـ الفنان: قاسم وعل السراج ولكن على نحو حذر وبطيء. ومثل هذه الانتقالة ـ وان كانت محدودة وحذرة ـ الا انها تحتاج الى قدر من الدعم, والى شيء من الاحترام باعتبارها خطوة سليمة لابد من تعزيزها, حتى تتحول الى قاعدة. لقد خطى قاسم وعل السراج.. خطوة جديدة بدأت بانتاج قاسم السراج لمسرحية (النهضة) تأليف واخرج: عباس الحربي,وتواصلت مع مسرحية (عرب فوق عرب تحت) , تأليفا واخراجا وانتاجا. ولأن قاسم.. يريد ان يصحو فقد بدأ ومنذ اكثرمن عام برسم كل حركة والوقوف عند كل كلمة وكل مشهد وكل شخصية في هذه المسرحية التي بذل جهدا في ايصال صوت العراق المحاصر الى العرب والعالم. مسرحية (عرب...) تريد ان تقول للعرب صراحة.. واجهوا انفسكم. من خلال محنة طائرة سقطت في مكان مجهول.. كيف يواجهها ركاب من جنسيات مختلفة, بينهم كثرة من العرب؟ هي محنة.. والانسان يمتحن في المحن.. لكن ما حصل ان الكل غير محصنين ازاء المحنة القاسية التي يواجهونها, ولا يدركون طبيعة العلاقة مع الآخر, لا العربي مع العربي, لا الرجل مع المرآة, لا الوطني مع الاجنبي, لا صاحب القيم والتقاليد في مواجهة قيم وتقاليد سواه! المسرحية تقوم على هذا التضاد.. وهو عنصر درامي بارز, لكنه تم الاشتغال عليه على نحو مرتجل, فيه الكثيرمن التفكك غير المقصود في البناء المسرحي, ولكنه قصور في رؤية هذه الاشكالية في عمل يحتاج الى قدر من الهندسة والى انتباه والى نظم محدودة مدركة ومقننة على نحو دقيق. ولأن التفكك هي السمة الطاغية والبارزة في هذه المسرحية, فإن ما حذفه واضافه قاسم وعل السراج بدا سهلا. ولأن قاسم.. حرص من قبل على تقديم وجوه مسرحية ـ كجزء من رسالته المسرحية ـ فقد وجدناه يقدم هذه المرة مواهب بدت ناضجة في اول مشاركة لها وفي مقدمتها: اياد طاهر, ماجد ابوزهرة, وبدت واثقة من حضورها على خشبة المسرح, الى جانب نخبة من المسرحيين الراسخين في تجاربهم وفي مقدمتهم: مكي عواد, مع طاقات ادت باتقان: علي جابر,طلال القيسي,حسن العبيدي.. في حين بدت عايدة الغريب حاضرة الاناقة, اكثرمن حضورها مؤدية على خشبة مسرح يتطلب الحركة المرنة, واغتنمت مينا يوسف المرونة الجسدية فرصة لشدالجمهور اليها وسرقته من زميلتها. ولأن (عرب فوق عرب تحت) مسرحية تعتمد الكوميديا السوداء,بمعنى انها تتوجه بالنقد لعدد من الظواهر في الواقع العربي, فإنها عانت من مسألة هذا الواقع العربي غير المستقر.. وانتقل امره الى عدم استقرار العرض.. بحيث ظل يحتمل الحذف والاضافة والتغيير, في حين يتطلب الفن المتميز قدرا من الثبات حتى يحقق حكمة بنائه, وضرورة وجوده. بغداد: حسب الله يحيى
