أنا من المعجبين.. بل المغرمين بأفعال الحركة وربما كانت كل الأفعال تدل على الحركة. لا عجب إذن أن الجملة العربية تتميز عن لغات أخرى كالانجليزية أو الفرنسية مثلا بأنها جملة فعلية فى الأساس وان العقل العربى يبدأ نشاطه بالفعل يضعه فى أول الجملة فى حين أن نظيره الانجليزى يحتفل أولا بالاسم. مع ذلك يظل كلامنا لفظا مفيدا.. كما يقول العم ابن مالك فى الألفية لو عبرنا عنه باسم من بعده نعت أو مبتدأ يتلوه خبر بغير أفعال فأنت تقول ان الذى تقرأه, فيما نرجو طبعا, كلام مفهوم ثم تسكت فاذا بنا نشكرك على هذا الإطراء بعد أن فهمناه واستوعبناه وليس هكذا صاحبنا الفرنسى أو رفيقه الانجليزى ولا ثالثهما الاسبانى, اذ ان كلا منهم عليه ان يربط بين الاسمين بفعل الكينونة حتى يصبح كلامه لفظا مفيدا وحتى يتحول ماقاله الى جملة محترمة ذات كيان وشخصية ومعنى لا مجرد عبارة مبتورة مبتسرة التكوين لا تؤدى كما يقولون ولا تجيب. ليس صدفة اذن أن يحتفل الفرنسيون بالذات وقد يتابعهم على ذلك الأسبان بحكاية أفعال الحركة هذه فإذا بهم يلحقون بها فى كلامهم ضميرا اضافيا بخلاف ضمير المتكلم او المخاطب أو الغائب حتى لقد عرفناها فى فترات الطلب القديم بانها الأفعال ذات الضميرين من باب التجله وشارات الاحترام. ثم ها نحن نتعرف معك على صاحبنا (الثعالبى) فى كتابه الدقيق والطريف حكينا لك عنه وقد صادفناه مؤخرا بعنوان (فقه اللغة وسر العربية) نتعرف على تنويعات الحركة فى مختلف أغراض الحركة والتصرفات والسكنات التى تعرض للناس فى شتى أغراض حياتهم.. نتابع ماظل عمنا الكبير الثعالبى ينهله من معين العربية, ينابيعها وعبقريتها ودقتها وثرائها العريض الوفير.. وبعدها يعلم الله تعالى كم يدرك المرء أمانة مع النفس أن علينا أن نتعلم لغتنا من جديد أو فلنقل أن نواصل التعلم فيها والغوص فى أسرارها وتذوق آلاء الجمال التعبيرى التى تجود بها. خذ مثلا أفعال الخشونة أو حتى الصراع فى العربية وفى مقدمتها طبعا فعل الضرب وقاك الله ورعاك. يقول الثعالبى ان أهلنا فى العربية إذا ضربوا براحة اليد على مقدمة الرأس فهو صقع وعلى القفا فهو صفع وعلى الوجه فهو صك وعلى الخد ولكن ببسط الكف, فهو لطم وان كان بقبضها (واخد بالك) فهو لكم وبكلتا اليدين فهو لدم والضرب على الذقن وهز وعلى الصدر والجنب وكز وعلى الجنب فقط باستخدام الاصبع - تأمل الدقة والتفصيل فهو وخز وبالساق ركل وأحيانا رفس (وذلك مشترك كما قد لا يخفى بين الإنسان والحيوان). وفى باب الرمى يعلمنا الثعالبى فعل حذفه بالحصى وخذفه بالعصا وقذفه بالحجر ورجمه بالحجارة الثقيلة وحثاه بالتراب ونضحه بالماء. ولما كان من أهل السماع فكم يروعنا احتفال لغتنا الشريفة بالتفرقة الدقيقة بين الأصوات والتمييز بالغ الدقة بين جرسها وايقاعاتها.. مثلا بين النغم وهو حسن الصوت وبين الهمس وهو كما يقول الثعالبى صوت حنجرة الانسان, والنأمة وهو صوت حركة الانسان, والهميس وهو صوت أخفاف الابل اذ تطأ الأرض فى الصحراء.. وتعال من بعد الى الصياح وهو بدء اشتداد الصوت, والصراخ وهو شدته عند الفزع, والصخب وهو شدته عند الخصومة أو المناظرة, والزجل وهو شدته عند الطرب, والهدة وهو شدته عند سقوط كيان ضخم مثل ركن حائط أو جبل, والنعير وهو صياح الغالب بالمغلوب, والنعيق وهو صوت الراعى بالغنم, والقديد وهو الشدة على الثور أو الحمار.. وطبعا تلاشت الأصوات الثلاثة الأخيرة فلم يعد الغالب يواجه المغلوب بالنعير فى ساحة مبارزة بل صارت الصواريخ عابرة القارات والقذائف التسيارية تنوب عن هذه المواجهة وبالتالى عن حكاية النعير ولا عاد الرعاة يكترثون بالأغنام الا فيما بقى من نوستالجيا أسلوب الحياة القديم.. ناهيك عن حكاية تشديد النكير بصوت القديد كما يعلمنا الثعالبى على الثيران أو الحمير. وقد ينقلنا هذا الى أصوات المجاميع حيث القهقهة صوت الضاحك, والصهصهة صوت الساكت (من صه صه بمعنى طلب السكوت), والدعدعة صوت المخفف عن الهموم (يقول لصاحبه دع.. الهموم.. دع المشاكل.. أو كمال قال عبدالوهاب فى احدى أغانيه: انعم بقرب الحبيب وكن خلى البال) وهناك البخبخة بمعنى الاستحسان (من بخ بخ) ثم النحنحة بمعنى الاستئذان مثل دخول المكان. وهناك أيضا التمطق بمعنى التذوق مع استحسان الطعام.. ثم الولولة حيث تفزع النساء (من تعبير وا ويلاه) وأخيرا الجهجهة وهو الصوت الذى يصدر عن زجرك للسبع. ومرة أخرى فالصوت الأخير كان لابد وان ينقرض بطبيعة الحال.. وله الله اللغوى النحرير الثعالبى فى حكاية زجر السباع والوحوش الضارية.. أيحسب ان السباع والأوابد تسمع الجهجهة فإذا بها تنزجر ثم تفارق المكان فى الحال.. وهل جرب الثعالبى يوما أن يأوى إلى آجام أو ادغال فيطلع عليه الوحش الضارى فإذا به الثعالبى اياه يرفع فى وجهه صوت الجهجهة زاجرا ومؤنبا.. وكفى الله المؤمنين؟ مع ذلك فلا نزال نشهد بدقة الثعالبى حين يتابع فى اطار أفعال الحركة التى ما برحنا مشغوفين بها تدرج الايقاع الصوتى وعلاقته بدراما الموقف أو الحالة الإنسانية. خذ مثلا: إذا اطلق المكروب صوتا رقيقا فهو الرنين فإن اخفاه فهو الهنين, فإذا أظهره حتى يصدر الصوت واهنا فهو الحنين فإن زاد فيه فهو الأنين, فإن ارتفع أكثر فهو الخنين فإذا ماصدر من أعماق جوائحه فهو الزفير فإذا مد أنفاسه ثم أطلقها فهو الشهيق. وهناك أيضا حركة الكون بين ساعات النهار والليل.. ان لغتنا الجميلة الغنية تبدأ نهارها بالشروق ثم البكور ثم الغدوة فالضحى والهاجرة و الظهيرة ثم الرواح فالعصر فالقصر فالأصيل ثم العشى والغروب. وإذ يؤذن القائل ان عدى النهار تبدأ لغتنا بالشفق فالغسق ثم العتمة طبعا كان ذلك فى أيام قدامى أهل اللغة وجزى الله توماس اديسون الكهربائي كل خير. والمهم بعد العتمة هناك السدفة ثم الجهمة والزلة والزلفة و البهرة (وكلها بالضم ولعلها من معانى ظلمة الليل وأشباحها وكوابيسها) الى أن يفرج الله بحلول السحر ثم الفجر ثم الصبح الى الصباح. حتى البطيخ لم يعتقه الثعالبى.. لقد ظل يتابع حركة انضاجه فى الزرع حسب تسلسل اللغة فأول ما يخرج البطيخ فى الحقل يكون قعسرا ثم يكبر في صبح خضفا ثم يكون قحا الى أن يؤكل بطيخا بالهناء والشفاء. وكذلك الحال مع حمل النخلة لثمار التمر اللذيذ حيث تتدرج بها أفعال الحركة فى لغتنا عبر أطوار النضوج فيقال: أطلعت النخلة, ثم ابلخت ثم أنسرت, ثم ازهت, وبعدها أمعت ثم أرطبت وأخيرا أثمرت.. ومرة أخرى حذار من تناول البطيخ قبل نضوجه, إذ يكون قعسرا فلا يصلح لترطيب الأمعاء فى مثل هذا الطقس الذى يكاد يشوى كرة الأرض التى نعيش فوقها.. وكنز الله خيره صاحبنا الثعالبى.. فى كل حال.