بدأ المعهد الاوروبي لفيزياء الجزيئات في جنيف دراسة معمقة للجسيمات المضادة للاجسام, تلك (النسخة الموازية) لعالمنا, في محاولة لالقاء المزيد من الاضواء على هذا اللغز المحير للعلماء. وينكب العلماء في المعهد على دراسة بروتونات سالبة الشحنة يتم انتاجها من خلال ابطاء سرعة البروتونات الموجبة الشحنة, لدراسة تلك الجزيئات المضادة والتحقق مما اذا كان هناك فارق بسيط بين المادة العادية والجزيئات المضادة لها ولمعرفة سبب تفضيل الطبيعة للاولى على الثانية. وكان عالم الفيزياء البريطاني بول ديراك اول من اشار الى احتمال وجود جزيئات مضادة للاجسام (تحمل شحنة مضادة لها) في العام 1927 انطلاقا من معادلات النسبية العامة لالبرت اينشتاين. وقد اثبت العلماء وجود تلك الجزيئات وهم ينتجونها باستمرار في مختبرات الفيزياء ذات الطاقة العالية بشكل خاص. ويمكن نظريا ان تكون للجزيئات المضادة للاجسام تطبيقات عدة, فهي ستكون مثلا وقودا مثاليا, اذ تكفي بضعة جرامات منها لاطلاق صاروخ نفاث او تزويد مدينة بكاملها بالطاقة الكهربائية لمدة قصيرة. الا ان المشكلة تكمن في ان الجزيئات المضادة غير موجودة في الطبيعة ولا بد من انتاجها وهي عملية صعبة وغير مجدية لان الوقود الناتج عن العملية لا يمكن ان يولد طاقة اكبر من تلك المستخدمة لانتاجه. وعليه فكل البروتونات مضادة او سالبة الشحنة التي ينتجها المعهد خلال عام بالكاد تزود لمبة بالطاقة لثوان معدودة. ولكل جزيئة مكونة للمادة هناك جزيئة مضادة, لها الوزن نفسه والدورة (دومة) نفسها (دوران الجزيئة حول نفسها) انما بشحنة كهربائية معاكسة. وعندما تلتقي جزيئة بنقيضتها تفني الواحدة منها الاخرى وينبعث عن العملية كمية هائلة من الطاقة ما هي الا اشعاع عاما. ويبقى السؤال المطروح: لم الكون مؤلف من المادة فقط, مع ان النظريات تفترض ان الجزيئات والجزيئات المضادة لها تكونت بكميات متساوية عند الانفجار الكوني الاول (بيج بانج) قبل ان يدمر احدها الاخر؟ ولم بقيت المادة وحدها وبكميات تكفي لتشكيل الكون؟ قبل بضع سنوات, بدأت التجارب تجرى سعيا الى حل تلك الالغاز. وقد جهز المعهد الاوروبي بحلقة قطرها 188 مترا يتم فيها ابطاء سرعة البروتونات مضادة (او سالبة الشحنة) حتى عشر سرعة الضوء. وفي التجهيزات السابقة كان يتم تسريع الجزيئات لجعلها تصطدم ببعضها ومعاينة ما ينتج عن تفتتهما. وتستخدم البروتونات المضادة بعدها في ثلاث تجارب اطلق عليها تسميات (اثينا) و(اتراب) و(اساكوسا) لالتقاط تلك البروتونات في حقول مغناطيسية او دمجها ضمن ذرات عادية. وسيحاول العلماء في اختباري (اثينا) و(اتراب) اضافة البوزيترونات (المضادة للالكترونات السالبة) على البروتونات المضادة لاعادة تكوين جزيئات مضادة للهيدروجين. اما اختبار (اساكوسا) فيقوم على دمج جزيئات البروتونات المضادة مع ذرات الهيليوم. وفي سبتمبر ,1995 تمكن فريق دولي بقيادة البروفيسور وولتر اولرت للمرة الاولى من تكوين ذرات مضادة للهيدروجين انطلاقا من الجزيئات المضادة التي تشكل تلك الذرات وهي البروتونات المضادة والبوزيترونات. وانتجت تسعا من تلك الذرات دامت واحدا على اربعين مليار جزء من الثانية قبل ان تزول عند احتكاكها بالمادة العادية. اما في التجربة الحالية, وبفضل جهاز ابطاء سرعة البروتونات المضادة, ينبغي ان تكون ذرات الهيدروجين المضادة بطيئة الى حد يجعل من الممكن حصرها ومراقبتها لمقارنتها بجزيئات الهيدروجين العادية. ـ أ.ف.ب