تنتسب هذه الرواية التي أصدرها غازي القصيبي إلى روايات التنشئة العاطفية والفكرية, وهي الروايات التي تعالج حياة البطل في مرحلة النشأة التي تتشكل فيها الملامح العاطفية الوجدانية لحياته في موازاة الملامح الفكرية. وكثير من روايات التكوين أعمال أولى لكتاب أرادوا أن يستعيدوا نشأتهم. ويقرأوا في هذه النشأة دلالات التجارب التي عانوها, سواء في مستوياتها الاعتيادية أو مستوياتها الاستثنائية, وذلك بواسطة عمليات استبطانية تستخرج المعاني العامة من التجارب الخاصة. وقد لا يلجأ هذا النوع من الكتاب إلى تقنية الاستبطان الذاتي التي تلجأ في الغالب إلى ضمير المتكلم, أوتتكئ عليه, بل يفارقونها إلى تقنيات أخرى أكثر بعدا عن الدفق المباشر للذات, وأكثر قدرة على انطاق الأبعاد المتعددة لتفاعل الذات مع غيرها من الذوات. ويغلب ضمير الغائب على التقنية في هذه الحالة, لكن بما يسمح بانطاق الضمائر الأخرى الموازية لضمير المتكلم والمتحاورة معه في الوقت نفسه. وليس من الضروري في رواية التكوين أو رواية النشأة أن تتطابق الوقائع السردية في القص مع الوقائع الحياتية في الواقع, أو أن تكون الشخصية الروائية صورة طبق الأصل للشخصية الواقعية للكاتب الذي يستعيد مرحلة من حياته, فالتطابق في هذا النوع ابتعاد عن الفن. ووقوع في شراك المحاكاة المرآوية التي تخلو من عنصر الامتاع. ولذلك تحرص رواية التكوين على الموازاة الرمزية بين القصصي والواقعي, بين التاريخي والمتخيل, الأمر الذي يتيح لخيالها حرية الانطلاق, كما يتيح للسرد فاعلية التدفق, ويسمح للشخصيات الروائية أن تمتلئ بحياتها الخاصة وترائها النوعي, وذلك بوصفها شخصيات في روايات بالدرجة الأولى. والواقع ان هذا الجانب الأخير يكشف عن مكر الخيال الروائي في صرف أنظار القارئ عن الاشارة إلى أصل واقعي لكل حدث أو شخصية, ويشد هذه الأنظار أكثر فأكثر إلى غوايات القص التي تستحوذ على القارئ, وتغرقه في فتنتها الذاتية. وما أكثر أن تتحول غوايات القص إلى أقنعة يختفي وراءها المؤلف الروائي المضمر أو المعلن في النص. فلا يراه القارئ بقدر ما يرى الأقنعة التي تشده إلى حضورها الحي. وبديهي انه كلما ارتفعت درجة الاتقان الفني في صياغة هذه الأقنعة, وازدادت العناصر التي تمنحها حياة خاصة, ارتفعت درجة الايهام التي تستغرق القارئ, وتبقيه مشدودا إلى الجاذبية الخاصة للقص. وأتصور ان بعض هذا المكر كان وسيلة غازي القصيبي ليصرف أنظار القراء عن تتبع تكوينه في هذه الرواية, ومع ذلك فالوسيلة التي لجأ إليها كانت شفافة بما يجعلها تومئ إلى الأصل في الكثير من الأحداث والشخصيات, خصوصا حين كانت الوقائع التاريخية تفرض نفسها على المخيلة, فالبطل, في هذه الرواية, شاب (يافع) , ينتقل من البحرين, موطنه الأول, ليتلقى تعليمه الجامعي في القاهرة. وهناك يتعرف على مجموعة من الشبان الذين يشاركهم المسكن الذي يطلقون عليه اسم (شقة الحرية) . والتسمية تدل على الانتقال من مجتمع تغلب عليه مجموعة من التقاليد المحافظة إلى مجتمع آخر ينفتح فيه الأبطال على تقاليد جديدة, وعادات فكرية واجتماعية مغايرة. ومن ثم تغدو تسمية (الشقة) تسمية مرتبطة بالتحولات التي يمر بها الأبطال. وهي تحولات متعددة الأبعاد, تجمع بين الذاتي الذي يضم تجارب الحب والجنس الأولى, والموضوعي الذي يضم تحولات الوعي الاجتماعي والسياسي صوب مراحل النضج الفكري من ناحية موازية. وكما فعل نجيب محفوظ في روايته (فضيحة في القاهرة) , حيث تعرض لحياة مجموعة من طلاب الجامعة, يتباينون فكريا ونفسيا, يفعل غازي القصيبي, فيجعل من سكان شقة الحرية أقرب إلى تعدد الاتجاهات الفكرية الشائع في الخمسينيات. وذلك هو الفارق الأساسي في الانتماء الزمني بين مجموعة القصيبي التي تحيا مناخ الخمسينيات ومجموعة نجيب محفوظ التي تحيا مناخ الثلاثينيات, فعلي طه ومحجوب عبدالدايم ومأمون رضوان, في رواية محفوظ, يمثلون الاتجاهات التي كانت شائعة في مصر, قبل ثورة يوليو بسنوات طويلة, حيث كان يصطدم الماركسي مع داعية الدولة الدينية مع الانتهازي الذي لا يبالي بأي شيء, أما في شقة الحرية للقصيبي فهناك القومي وداعية الدولة الدينية والماركسي. ولكن للنموذج القومي حضوره الطاغي على بقية التيارات, خصوصا في رواية تتحدث عن الحياة الفكرية للطلاب العرب, في القاهرة, العاصمة العربية الأولى, ابان فترة صعود المشروع القومي. ومن ثم يشهد النص الروائي صراعا لافتا بين الاتجاه البعثي والقومي والماركسي والديني على صدارة الأمة وقيادة أبنائها. ويبدو بطل الرواية, بوجه خاص, أقرب إلى الاتجاه القومي, مؤمنا بمثله وقيمه, مقبلا على نموذجه القيادي الصاعد الذي كان يمثله جمال عبدالناصر. ومن أجمل مشاهد الرواية ذلك المشهد الذي يصور لقاء البطل الشاب بالزعيم جمال عبدالناصر. ومن الممكن وصف الرواية, من هذا المنظور, بأنها رواية تاريخية, تختار فترة حاسمة في تكوين بطلها, وتعرض من خلال عمليات تنشئته السياسية والعاطفية, الملامح العامة للمجتمع العربي, وذلك من خلال الصور التي تكثفها علاقات الطلاب في داخل الجامعة المصرية وخارجها, حيث الملتقيات السياسية والفكرية والابداعية. وبالفعل, نلتقي في الرواية بشخصيات متعددة, حقيقية, لها دورها البارز في الخمسينيات القومية. وإلى جانب عبدالناصر, هناك ميشيل عفلق وصدام حسين وأحمد الخطيب من الشخصيات السياسية, وهناك نجيب محفوظ وطه حسين وإبراهيم العريض وغيرهم من الشخصيات الأدبية. وترسم الرواية صورا لشخصيات عاصرت البطل في فترة دراسته في القاهرة, وإذا عددنا الرواية صورة ابداعية للمرحلة التأسيسية في حياة بطلها, وهو القصيبي نفسه, فإن البطل يرسم لمعاصريه من أبناء جيله صورا لافتة. ومن السهل أن يلمح القارئ الذي يعرف هذه الفترة جيدا, وعاشر أبطالها, وأن يتعرف على مجموعة من الأدباء والشاعرات من أقران البطل, وذلك من وراء الأقنعة الروائية التي يصوغها غازي القصيبي بما يجعلها تشف عن الأوجه الحقيقية التي تخفيها. ولا شك ان هذه الأقنعة هي التي تكمل الصورة الخاصة بالتربية العاطفية, فالرواية تشهد عمليات التحول التي ينتقل بها البطل من العذرية العاطفية لمرحلة المراهقة إلى النضج العاطفي والحسي لبداية الرجولة. وهنا, يختلط الجنس بالحب, ويمتزج كلاهما بالموت امتزاجهما بالقطيعة المعرفية فكريا والتحول من اتجاه فكري إلى آخر أكثر نضجا وشمولا. وتحدث عمليات التحول العاطفي, على مستوى العلاقة بالمرأة, في موازاة عمليات التحول الفكري, على المستوى السياسي المرتبط بالالتزام بقضايا المجتمع, وذلك في موازاة أخرى لعمليات التحول الابداعي الذي يكتمل به نضج البطل الروائي الذي ينجح, أخيرا, في اصدار مجموعته القصصية الأولى. ومن هنا, فإن الرواية تنتهي باكتمال نضج البطل وتأسيس معرفته العاطفية والتزامه الفكري وابداعه الأدبي, وذلك في بناء سردي لا تفلت منه الخيوط في اقامة الموازاة بين المستويات الثلاثة, والتنقل اللافت بينها. وكما يحدث في الكثير من روايات التنشئة, حيث يمتزج الاكتمال بشعور الفقد بآلام النضج, فإن رواية شقة الحرية تنتهي نهاية أسيفة. يختلط فيها الوعي بالنضج بموت مرحلة, وابراز دلائل فشلها. وحين نرى البطل, في الصفحات الأخيرة, خارج القاهرة, فإننا نراه متوجها إلى عالم آخر, ومرحلة جديدة, لكن بعد أن يشعر بالحزن على مغادرة العالم الذي كان بكل قيمه, تلك القيم التي انتقل بها البطل من دنيا المراهقة إلى أفق الرجال, ومن عفوية الابداع إلى الوعي بالكتابة, ومن انفعالية الفهم السياسي إلى عمق الادراك, ويمكن أن نضيف الانتقال من بكارة الاستجابة إلى الوقائع والأفكار إلى نوع آخر من الاستجابة التي تحسب حساب كل شيء من منظور الربح والخسارة. إن رواية (شقة الحرية) شهادة من أحد أبناء جيل المرحلة القومية, وتجربة فنية في صياغة العلاقات المتشابكة لتيارات مرحلة, ورؤية نقدية لعصر كامل في تاريخنا القومي والثقافي. وذلك هو سبب قيمتها التي أكدها وعي مؤلفها بتعقد موضوعها, وتعدد أبعاده, وصراع لغاته, الأمر الذي فرض عليه أن يهجر أداته الابداعية الأثيرة, وهي الشعر, ليجرب أداة ابداعية جديدة, هي الرواية التي تتحول إلى شهادة وتجربة للابداع القائم على تعدد الأصوات وصراع الأفكار.