ينشغل البشر دون خلق الله باستشراف المستقبل, يستوي في ذلك الخاصة من العلماء والمفكرين والأدباء وغيرهم من العامة, ويأكل القلق قلوب الجميع, فهم سواء في الخوف من تقلبات الزمن, ومفاجآته, ناهيك عن جهل الجميع بما سيجود به من أيام لم تولد بعد, ويصبح جل اهتمامهم البحث عن مصائرهم المجهولة في المستقبل, كل على طريقته. ففي البداية, وجد الإنسان البدائي, ضالته في التنجيم لاختراق حجب الغيب, ومعرفة ما يخبئه له المستقبل, وراجت وسائل تنتمي إلى الأساطير والخرافة, وللأسف ما زالت تزدهر في عصر العلم وتطوراته المذهلة, وإلا كيف نفسر الاقبال الجماهيري الواسع على قراءة أبواب (حظك اليوم) في الصحف, رغم المعرفة المسبقة لدى جميع القراء انها من باب التسلية ليس إلا, فليس من المعقول أن تتشابه حظوظ الملايين الذين يجمعهم يوم ميلاد واحد, على اختلاف أوضاعهم الحياتية. على أن أروع ما قدمه الخوف من المستقبل والرغبة الجارفة لاستباقه, هو صقل الحاسة السادسة للعلماء والمثقفين, والذي تمثل في تراث حافل من الاكتشافات والمخترعات التي سبقت زمانها, وهيأت البشرية للتعايش مع المستقبل قبل أن يولد. وبعيدا عن الاختراعات والاكتشافات العلمية, التي تخضع لمعايير وتطور العلوم, يذهلنا مستوى شفافية وصدق رؤى أصحاب الحاسة السادسة من المثقفين والأدباء, الذين نجحوا في رسم صور للمستقبل قريبة من الواقع, مستعينين فقط بقدرة استثنائية على تجاوز قيود اللحظة الحاضرة, بثقلها, وكثافة ظلالها وتوصلوا ببريق وامض من حاستهم السادسة إلى المجهول. فمثلا, تخيل أديب بريطاني في فترة ما بين الحربين العالميتين صورة للعالم في النصف الثاني من القرن الماضي, تحققت بعض ملامحها في الفترة الحالية. ففي روايته (1954) تخيل جورج أورويل الخريطة السياسية للعالم مقسمة إلى قارات تحمل أسماء ساخرة, فمثلا هناك قارة تجمع روسيا وجنوب شرق آسيا, وقارة تجمع أمريكا كلها وبمعنى أوضح رأى أورويل ان العالم سيعاد تقسيمه عبر تحالفات, تمهد لصعود قوى وسقوط أخرى, بما يحمل التنبؤ بسقوط وانهيار الاتحاد السوفييتي قبل حدوثه بأكثر من نصف قرن. وفي انتاجنا الأدبي والفني سنجد أعمالا نادرة تتسم بهذه القدرة على تخطي حواجز الزمن. غير ان الحاسة السادسة للأديب أو المثقف تختلف كثيرا عن الموهوبين بها من العامة, الذين يقودهم احساسهم الداخلي الصادق إلى معرفة حقيقة الأشخاص الذين يتعاملون معهم رغم كثافة الأقنعة التي تخفي حقيقتهم, وتظاهرهم بخلاف ما جبلوا عليه سواء أكان خيرا أم شرا. سيد زهران