بعد أن أصبح اعجاب الناس اليوم طاغيا بما تطرحه العولمة من مرادفات تكنولوجية, وبعد أن روض الكمبيوتر النفوس التي كانت تتوجس خيفة منه, فغدا بعد أن كان جهازا صامتا جامدا, صديقا لا يستطيع الكثيرون مفارقته أو إهماله لأيام, صار لزاما أن يعيد العلماء والمهتمون نظرهم في الكثير من الطروحات والتصورات السابقة. خاصة وان شبكة الانترنت أعادت صياغة الحدود المرسومة بكل وضوح, وتلك المهملة التي كانت إلى وقت قريب مجهولة بالنسبة للعالم. والسؤال الذي بدأ يطرح نفسه بين أولئك المهتمين بالافرازات التكنولوجية الحديثة, وخاصة الانترنت, هل سيتحول إنسان القرن الحالي إلى فرد منعزل عن النسيج الاجتماعي؟. من يطلع على التقارير الخاصة بافرازات شبكة الانترنت على المجتمع الأمريكي يلمس تخوفا من معارضين للارتماء المجاني في أحضان الانترنت, رغم الاعجاب المثير من غالبية شرائح المجتمع الأمريكي وخاصة في صفوف الشباب بالفضاء الذي تتيحه شبكة الانترنت, والذي كان العامل الرئيس وراء تنامي التجارة الالكترونية في الولايات المتحدة بسرعة مدهشة. المعارضون يرون ان التكنولوجيا الرقمية شجعت على التخلي عما تبقى من قيم اجتماعية وأواصر ترابط بين أفراد المجتمع الواحد. ويأمل ستيفان تالبوت المختص ببرامج الكمبيوتر وهو من الجماعات الرافضة لفكرة تطوير الكمبيوتر لأغراض تسيير أمور حياتنا الخاصة, أن يأتي اليوم الذي تحرم فيه أجهزة الكمبيوتر من العمل بعد وصول هذه التكنولوجيا إلى حدودها القصوى لتصبح خاضعة لرغبة معارضيها الذين يسعون لجعلها أكثر إنسانية. وتأتي معارضة هؤلاء لما يجري لما سببته التكنولوجيا في فصل لعرى صلات وارتباطات الناس بوسطهم المحيط ومجتمعاتهم التي ينتمون إليها, كما ان انعدام التفكير بالاثارة والصدمة التي ستخلفها هذه التكنولوجيا أحدث ارباكا وتخوفا لدى الكثيرين جراء التغييرات المتسارعة الحاصلة في الكمبيوتر خلال عمره القصير. ورغم ارتفاع المزيد من الأصوات لمنتقدي الأحوال الجارية يرى تالبوت ولادة مرحلة جديدة لما سيكون عليه عالم التكنولوجيا الفائقة في الغد, والتي سيتحول فيها كل شخص إلى فرد معزول عن الآخرين يكمن في جزيرته الخاصة محلقا في دنيا حالمة خاصة به. وحتى لا أضع سياجا على أفكاركم التكنولوجية أحلق قليلا معكم إلى مواقع الحوار العربية داخل الانترنت لنكتشف معا ماذا يدور فيها, فقد وجد الشباب العرب متنفسا رحبا لأفكارهم وطموحاتهم بلا قيود أو حدود, فأصبح الانترنت ساحة مفتوحة ومكشوفة لكل التصورات المعقولة وتلك التي لم تحالفها المعقولية مع العلم ان الأسماء ما زالت مستترة وراء الشبكة. البعض يتحدث بلا هدف سوى انه يريد الحوار الذي لا أول له ولا آخر, وصنف آخر يحاول التحدث في مواضيع ممنوعة وذلك بعيدا عن رقابة الأسرة والمجتمع, فبفضل (الويب) يستطيع أن يتحدث بلا حدود أو قيود في أي من المحرمات الثلاث دون أدنى مسئولية. المثير ان من يتصفح مواقع الحوار يجد ان الاهتمام يظل منصبا على تبادل الرسائل الغرامية والأشعار والأحاديث الرومانسية ومشاغبات بين الجنسين, ويظل المارد الجنسي طاغيا على تلك المواقع, بينما يعمد آخرون إلى مهاجمة بنات حواء معتمدين على منطق قديم, ليجدوا سيلا من الشتائم من الطرف الآخر, وهكذا. وبين هذه وتلك تكثر الأسماء الوهمية التي يتخفى خلفها المتحاورون, فهذه بنت الصحراء, وذاك فارس الجزيرة, وتتعدد الأسماء وتتباين بين عنترة بن شداد, والأبرق, ومايكل جاكسون, وترافولتا, والمتنبي, وابن فندال, وبرق الصحراء.. والغريب ان تلك الأسماء بدأت تطرق أغلب المواقع فلا يكاد موقع يخلو منها, فأغلب هؤلاء الأبطال المخربين يشهرون سيوفهم في وجه كل من يقف لهم بالمرصاد, لهذا لا تكاد ترى موقعا إلا وهؤلاء يقفون على أبوابه ينشرون رسائلهم التافهة. على الجانب الآخر نجد هناك مواقع للثقافة والشعر والأدب أصبحت بفضل أولئك المخربين لا تطاق, بينما أخذت الحوارات السياسية اتجاها آخر بعيدا عن العقلانية والمنهج العلمي, فأصبحت الشتيمة تفوح من ثنايا تلك المواقع لتزيد الفرقة العربية والاستعداء والتحدي, فبينما يخاف العلماء الأمريكيون من ان تتحكم هذه التكنولوجيا بحياتنا الاجتماعية لنتحول إلى أناس منفردين ومنعزلين وأسرى لسحرها الذي يولد حالة من الانعزال تقطع أواصر العلاقات الاجتماعية, نخاف نحن في الوطن العربي أن تزيدنا تلك التكنولوجيا بعدا, بعد ان اعتقدنا انها قربت البعيد وجعلتنا نفكر بلغة واحدة وشعور واحد. الخوف ان يتحول المنسجمون مع تيار التكنولوجيا الجارف إلى أفراد منعزلين في جزر متباعدة لا روابط تجمعهم سوى خطوط لشبكة عالمية اسمها الانترنت فيفخر العرب بعنتر ويفخر الأمريكيون بالنت ويفخر القرن الحالي بعنترنت!