قبل عشرين سنة, في العام 1980, نظم الشاعر العربي فؤاد الخشن, قصيدة جميلة اسماها (ليلة في الذيد) كتب اهداءها (الى الشاعر الخليجي سلطان العويس الذي اتاحها لنا.. عام 1970) تقول بعض مقاطع هذه القصيدة: في دجى (الذيد) وسحر البادية والنجوم البيض حبات من الماس السماء الصافية والهلال ذلك الجفن الذي يسكب بالهدب النحيل زنبقا ينثال شلال ضياء اسبلتها خطل (الغاف) وارختها نوافير النخيل كانت (الدلة) تغلي فوق جمر يترنم و(علي) ذلك الشيخ المهندم يسكب القهوة مسكا ويدير بالفناجين اشتهاء وعبير ثم يستلقي على الرمل الحريري ويحلم نافثا من فمه القاسي دخانا يغمر اللحية والوجه المثلم * * * كانت (الذيد) فتونا مسكرا طبقا اخضر.. والبدر ضفائر تتدلى فوق رمل زنبقي.. قبة الديباج كانت داليات لعناقيد النجوم في مرايا البرك الزرقاء تلهو وتعوم كان وجه (الذيد) حلوا آسر الحسن النقي كنت في شبه انخطاف نبوي هكذا كانت الذيد قبل عشرين وثلاثين عاما, صافية, ساحرة, تحرسها هامات الغاف والنخيل, ويزيدها بهاء, لونها الاخضر وصوت خرير الماء في كل مكان. من كل اجزاء الوطن, كانوا يأتون اليها للفسحة في مواسم الاجازات او للمقيظ. وكثيرون تملكوا مزارع واراضي فيها, وجاءوها حتى من خارج الحدود, من قطر, ومن الكويت, هناك مزارع (كانت) عامرة فيها يسكن خيال الطبيعة والابداع, تحمل اسماء امراء وتجار من الخليج. الحال تغير كثيرا اليوم, لم تعد الجنة كما كانت, انها قلقة, حزينة, انها تموت. فالذيد ليست سوى واحة ونخيل, وعندما تموت هذه النخيل يموت السحر, وتصبح ارض يبس, بقعة اسمنتية مثل غيرها. لا شيء يميزها, ولا احد يشتهي النزول فيها. وان يجف الماء ان يضعف ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ صعبة ومشكلة مقلقة, وان تموت النخيل تصبح العملية اكبر من مشكلة, تصبح كارثة! والكارثة لا يعالجها فرد بذاته او مجموعة, الكارثة لا تحتمل الصبر والصمت, وعندما تكون الكارثة في حجم وطن بأكمله, تصبح المصيبة اكبر. تصبح كارثة وطنية, الوطن بأكمله مسئول عنها. عطش النخيل كارثة. لمن يعرف اهمية ومكانة هذه الشجرة في هذه الارض. التاريخ يقول انه لم يكن هناك نبات مزروع يحتمل العيش في هذه التربة الفقيرة القاحلة, النخلة وحدها التي صمدت واطعمت انسانها الجائع صيفا وشتاء, بل كانت كل حياته, واحتياجاته وتطلعاته. فالنخلة هي الرزق الذي عاش عليه الانسان هنا, وهي التي اعطت الامل في هذه الارض من خلال ثباتها واستقرارها وتكاثرها. هي التي اوقفت زحف الرمال الصفراء وفرضت لونها الاخضر اشارة للنماء والحلم والمستقبل الافضل. هي التي بشرت بغد اجمل. لزاما علينا نحو هذه الرفيقة, رفيقة النضال الطويل في زمن العسر والتعب, ان نكرمها, ونثمن دورها, ونقدر تضحيتها ونحن نعيش عصر الاستقرار والازدهار. ان نكون اوفياء, وان نرد الدين. ابسط انواع الكرم ألا نجعلها تعطش, ألا نجعلها تذبل وتمرض, ان نشعرها اننا معها, فخبراء النخيل يقولون ان هذه النبتة فيها كثير من صفات الانسان, مثل الوفاء لصاحبها وشعورها بالوحشة والكآبة اذا اهملت, والحزن اذا فارقت رفيقها. والنخلة اليوم لا تعطش فقط, انها تموت من الظمأ, وهي تمارس موتا مختلفا عن كل الكائنات, انها تموت واقفة, لا تشعر بها الا بعد زمن من العذاب والتحمل, وقد هوت من عليائها, فهي عظيمة, شامخة حتى في لحظة موتها. مئات الجذوع اليابسة في الذيد واقفة تنتظر العاصفة, مزارع لها تاريخ وذكريات يحيلها العطش الشديد الى الخراب. وما اصعب ان تنظر الى نخيل اعمارها مئات السنين تموت بالجملة. نخيل زرعها آباء اجدادنا, الذين لم نتعرف عليهم ولم نشاهدهم الا في هذا الغرس. نشعرهم يتوجهون وهم في قبورهم, لموت هذا العمل الصالح, والذكر الذي تركوه. ان النسل ينقطع هنا! والذيد حالها مثل بقية واحات النخيل في كل انحاء الدولة, وهناك واحات حالها أمرّ, اندثرت ولم يعد فيها عود اخضر, جميعها تعاني العطش والموت. وجميعهم يتفرجون, ينتظرون, وماذا ينتظرون؟! لا تدري. كل وزارة او جهة معنية, تتبرأ, وتلوم المطر لانه انحبس طوال اعوام. ويتحمل الوزر في النهاية المزارع المسكين لانه يهدر الماء. لا شك انه ملوم. ولكن المشكلة هنا فيها شركاء يتحملون المسئولية, على الاقل عبء معالجة الواقع وايجاد الحلول. الذي يحدث ان هذه الجهات تطالب هذا المزارع ان يوجد الحل, مثل ان يستخدم اساليب الري الحديثة, ولانه هو المحتاج الاول, يرضخ للأمر ولو باع كل ما عنده وزاد قروضه وما تحمله هذه الديون من فوائد ومصائب. وفي هذا الحل الذي تطرحه هذه المؤسسات بدأت تجارة, وتجار اوجدتهم الفرصة يستغلون حاجة هذا المزارع البسيط, وهذه مشكلة اخرى خلقتها هذه الجهات وماذا عن حال الارض الجافة التي انعدم فيها الماء, ماذا عن موت النخيل الذي يحدث كل يوم؟ متى ينتهي الصمت.. متى نشعر بحجم الكارثة؟!