لدى بعض الناس اهتمامات غريبة تدفع المرء الى فضول اكتشافها, فقد حدثني احد الاصدقاء العائدين تواً من السفر انه يستطيع ان يحدد جنسيات المسافرين في المحطات والمطارات من خلال ايقاع مشيتهم. وقال لي مثلاً: الصينيون يسيرون بانحناء لانهم يحترمون النظام بشكل كبير, والفرنسيون يمشون بخطى واثقة لانهم اعطوا العالم ثلاثة اشياء (جان جاك روسو, كوكو شانيل وبريجيت باردو) أما الألمان فانهم أكثر شعوب الأرض ان الروس يواظبون على التقاط الصور لبعضهم بعضاً وكأنهم مجموعة جواسيس سترفع تقريراً فور العودة الى الـ (كي جي بي) , أما الامريكيون فانهم يسيرون بعجرفة وتغطرس يغيظ الانجليز لان خلف كل مقعد في صالة الانتظار يكمن جندي مارينز يحمي امريكا ومجد حريتها. وأضاف محدثي قائلا: يبقى ان نعترف ان اليابانيين ابرز من يجيدون الابتسام والاعتذار اذا اصطدم أحدهم بكرسي أو بحقيبة شاردة ليس تكفيراً عن تحالفهم مع الالمان في الحرب العالمية الثانية لكن لانهم يعرفون سلفا انك ستعطيهم كل ما في جيبك من نقود ثمناً لآلة تصوير تظهر مساحات فرحك وصوت سعادتك وانت تقتني احدث كاميرا رقمية في العالم. قلت لصديقي الموهوب: ولكنك لم تحدثني عن العرب, فقال: بسيطة يمكنك ان تميز المسافر العربي ليس من ايقاع مشيته ولكن من حجم حقائبه, فهو عندما يسافر يأخذ معه كل ما يحتاجه وما لا يحتاجه وعندما يعود تزداد حقائبه عدداً وحجماً لانه يملأها بكل ما يثبت للآخرين انه كان في لندن مثلاً أو في باريس لذلك تراه أمام (كاونتر) الوزن يفاوض الموظف كم سيدفع وزناً زائداً, وقطعاً عندما ستسمع لهجته تعرف انه خليجي أو مصري أو عراقي أو سوري.. الخ, وفي هذه الحالة أنت لست بحاجة الى ذكاء كبير لتعرف جنسيته ولكن حجم حقائبه يحدد لك مستواه المادي هل هو غني أو متوسط الغنى أو انه موظف حكومي استعمل شطارته خلال مهمة وظيفية فعاد ببعض التجارة التي تدر ربحاً جيداً. ثم اضاف صديقي المسفار (على وزن مفعال) !! لقد نشأت لدي هذه العادة في مراقبة المسافرين لاني امضيت وقتاً طويلاً في المطارات العربية اما انتظاراً للطائرات المتأخرة, أو لانهاء اجراءات السفر والتفتيش, وتلك الاوقات كانت تمتد لاربع أو خمس ساعات يوميا فلم اجد تسلية أفضل من تصنيف المسافرين حسب ايقاع تحركهم في المطارات, وكما تعرف (العرب مشهورون بالفراسة واقتفاء الأثر) , ويمكن تصنيف هوايتي هذه في خانة جديدة اسمها (بث النظر في مشية البشر) . فقلت له ولكنك اضعت وقتاً طويلاً في أمر لا فائدة منه, وياحبذا لو اصطحبت معك كتابا وقرأته خلال تلك الأوقات لجنيت علماً وازددت معرفة فأفدت نفسك وتركت العباد لخالقهم, فقال متعجباً, ومن سيطبق نظرية (بث النظر في مشية البشر) ؟ قلت: اتركها للمخابرات. فسكت خائفاً, وسكتُ مثله. حسين درويش