عندما اقتربت الطائرة من مدينة فينيسيا أعلن الطيار الفرنسى أن ثمة عاصفة قوية تجتاح المنطقة, وأنه سيدور عدة مرات حتى تسمح الظروف بالهبوط, سألنى زميل الرحلة الفنان السينمائي يسرى نصرالله. هل تخاف؟ قلت ضاحكا: لا أذكر متى قرأت هذه العبارة (ليس من الحكمة التشاغل بمالا يمكن دفعه).. دائما ترد على ذهنى كلما واجهت ظرفا يفوق طاقتى على التصرف أو قدرتى على المواجهة, ولتعدد أسفارى خلال السنوات الأخيرة أصبحت استكين الى مقعدى, بمجرد اغلاق باب الطائرة ودوران محركاتها ثم اقلاعها, ماذا بوسعى أن أفعل؟ أما ارشادات المضيفين ذات الطابع المسرحى عن ارتداء أطواق النجاة الصفراء وإحكام الحزام حول الخصر, ونفخها بالفم, فلا أتابعها, إذا وقعت الواقعة فبماذا سيفيد هذا؟ هل قرأنا عن راكب نجا من حادثة طائرة؟ رحت أرقب السحب الرمادية الكثيفة, ومن خلال فرجات محدودة لم أكن أرى سوى ساحات من الماء, تتخللها جزر صغيرة, أو تحدد الظلال والألوان مدى عمقها هنا أو هناك, وعندما بدأت قطرات المطر تنسال على الزجاج الدائرى أدركت أن الطائرة فى طريقها الى الأرض. ليس هناك الا الماء, وعندما أصبح الارتفاع مجرد أمتار تعد على أصابع اليد ظهرت اليابسة, ممر الهبوط مباشرة, وكان المطر غزيرا, قطراته غليظة, لكن مافاجأنى ليس المطر أو العاصفة, إنما وضع المطار نفسه, بعد أن خرجنا من الباب, بدأ يسري يجري اتصالات بالجمعية الفرنسية المنظمة لرحلتنا وللمؤتمر الذى جئنا من أجله, جمعية للثقافة والفنون تشرف على الصالون الفرنسى فى معرض العمارة السنوى, البينالى, وبين أنشطته مؤتمر عن القاهرة. ذلك ماجئنا من أجله, لم يكن هناك أحد فى انتظارنا. ولم أكن مزودا بعنوان الفندق, أو أرقام هواتف المسئولين عن المؤتمر, باستثناء هاتف واحد لمسئول فرنسي, جربه يسري فوجده خارج نطاق الخدمة, كان مغلقا, رحت اتطلع الى الرصيف, أين عربات الأجرة؟ ضحك يسري, قال: (التاكسي هناك..) تبعت اشارة يده, لافتة تعلن عن التاكسي المائي, زوارق تشبه الأوتوبيس النهري الذي ينقل الركاب في النيل, انتظمنا في الطابور, وضعنا الحقائب في المكان المخصص لها, ثم بدأ الأوتوبيس النهري يشق طريقه تحت المطر الى جزيرة الليدو. احدى الجزر المكونة للمدينة, الليدو؟ انه اسم المكان الذى جرت فيه أحداث رواية توماس مان (الموت فى فينيسيا) رأيت الفيلم قبل أن أقرأ الرواية. كان ذلك فى السبعينيات عندما قصدت بصحبة يوسف القعيد سينما نورماندي بضاحية مصر الجديدة لنرى فيلما مأخوذا عن رواية توماس مان الشهيرة, وأخرجه فيماسكونتى, كان الفيلم المنقول عن الرواية يقص أزمة كاتب تقدم في العمر وبدأ يشعر بجفاف منابعه في الإبداع, ويقرر الرحيل الى الجنوب, الى فينيسيا, وينزل في فندق الليدو العريق طلبا للراحة والتأمل, وفي الفندق يرى أسرة بولندية بينها فتى في مقتبل العمر, آية في جمال وقوة الحضور, في الفيلم بدت العلاقة الخفية بين العجوز المشرف على الموت, الذي جفت ينابيع إلهامه, وبين الفتى, كأنها علاقة بين الحياة بكل مافيها من تفجر وتوهج وقوة وبين الموت بكافة ظلاله, تأثرنا بالفيلم, وخلال السنوات الطويلة التي تلت عرضه لم تغب مشاهده عن ذاكرتى, خاصة قوة تمثيل ديرك بوجارد وتعبيره عن الأزمة الداخلية العنيفة للكاتب واحتضاره البطيء, وجمال الفتى ورشاقة حضوره, وفيما تلا ذلك من سنوات وقعت في يدي نسخة من الترجمة الانجليزية للرواية, واجتهدت في قراءتها, وجدت النص المكتوب أدق وأعمق من الفيلم, خاصة فيما يتعلق بقوة التعبير عن أزمة جفاف الابداع عند الأديب الهرم. لكن اختيار شخصيات الفيلم ظل مسيطرا علي اثناء قراءة الرواية, حتى ان خيالي لم يستطع ان يخلق بديلا لمعاناة الكاتب, ولجمال الفتى. هأنذا أنزل مدينة فينيسيا بعد أكثر من ربع قرن من مشاهدة الفيلم, وبعد تسع سنوات من طلبي ترجمة الرواية من الالمانية مباشرة من الشاعر بدر توفيق الذي قرأ النص وهام به, وانجز ترجمة يومية, نشرت مسلسلة في جريدة أخبار الأدب, ثم صدرت في سلسلة روايات الهلال الشهيرة منذ سنوات. الفندق الذي أقمنا فيه يقع في جزيرة الليدو, اسمه (هنغاريا) أي المجر, وهو بناء قديم, مغلف بالخزف الذي يحمل رسوما فنية, ورغم ان الفندق يقع في جزيرة الليدو الا ان احساسا قويا داخلي جعلني أوقن اننا نعيش في الماء, فلكي ننتقل الى حيث بينالي العمارة, ومقر الصالون الفرنسي المقام في قارب, يجب ان نركب قاربا, انه الوسيلة الأساسية للمواصلات هنا, وما بين جزيرة الليدو وميدان سان ماركو مجموعة من المحطات, ثم تبدأ القناة الرئيسية التي تخترق مدينة فينيسيا ومنها تتفرع القنوات الأصغر فالأصغر انها شوارع المدينة وأزقتها. أبواب البيوت الجميلة مفتوحة مباشرة على الماء, واذا احتاج الانسان الذهاب الى هنا أو هناك فمن خلال تلك القنوات بواسطة زوارق آلية صغيرة (لنشات), أما الجندول الشهير فيستخدمه السائحون للتنقل, يزور البندقية (فينيسيا) سنويا اثنا عشر مليونا من السائحين, معظمهم يقضون ليلة واحدة, ولكن المدينة ثرية جدا بالمعالم, وحاضة على التأمل. وبها متاحف عديدة, ومواقع أثرية شتى, ويبدو تأثير العمارة العربية واضحا في مبانيها العتيقة, خاصة الحجرية والعرايس التي تعلو المباني, وكذلك نوعية النسيج المنمنم الذي اشتهرت البندقية بصناعته, كذلك الزجاج اليدوي (المورانو). لقرون عديدة كانت البندقية بداية ونهاية الطريق المؤدي الى الشرق, الى الصين, مرورا بمصر, والعالم العربى, والهند, ووسط اسيا, انه طريق الحرير الشهير, وكان الجنيه الذهب المعروف بالبندقي متداولا في مصر, بما يعني قوة العلاقات ومتانتها واستمراريتها. وفي متحف اللوفر بفرنسا لوحة شهيرة لسفراء البندقية اثناء لقائهم بالسلطان الغوري في قلعة الجبل مقر الحكم في مصر قبل الاحتلال العثمانى, وقد ذكر ابن اياس هذا اللقاء في كتابه الهام الجميل (بدائع الزهور في وقائع الدهور). صباح اليوم التالي لوصولنا اقترحت على يسري نصر الله ان نمضي لزيارة فندق الليدو حيث اقام السيد أوشنباخ, بطل رواية توماس مان, وفيه رأى الفتى الجميل, تحمس للفكرة, خاصة أنه تردد على الفندق من قبل خلال حضوره مهرجان فينيسيا السينمائي, قطعنا الطريق الى الناحية الأخرى المعاكسة لمحطة الزوارق التي اعتدنا أن نذهب منها الى ميدان سان ماركو والى المعالم القديمة لفينيسيا. هنا يمتد الشاطئ باتجاه البحر الادرياتيكي المفتوح, من الناحية الأخرى تتناثر الجزر المكونة للمدينة التاريخية. قصدنا الفندق العريق, مهيب الطراز, والذي يبدو كأنه قصر ملكى, عريض الواجهة, مرتفع, فسيح الصالات, رحت أستعيد وصف توماس مان عندما وصل السيد أوشنباخ الى الفندق: (دخل الى ذلك الفندق الرحب من الاتجاه الخلفى, من شرفة الحديقة, وصل عبر البهو الكبير ثم المدخل الامامي الى قسم الاستقبال, حيث سجل اسمه وتمت اجراءات استقباله وخدمته على أكمل صورة, وقام باصطحابه الى المصعد أحد المديرين, ضئيل الجسم, خافت الصوت, رقيق مهذب, أسود الشارب, يرتدي سترة سوداء من الطراز الفرنسي, وصعد معه الى الطابق الثاني حيث أرشده الى غرفته. كانت مريحة للنفس, مفروشة بأثاث من خشب الكرز..) خرجنا الى الشرفة المستطيلة. منها يمكن رؤية البحر, الشاطئ ممتد, وعليه تنتظم المظلات, تبدو رماله مبللة, قاتمة, هنا في هذه الشرفة رأى أوشنباخ الغلام البولندي لأول مرة, مرة أخرى رحت أستعيد وصف توماس مان لهذه اللحظة, لحظة رؤية جمال الفتى بعيني الكهل المقبل على الموت. جلسوا جميعا حول منضدة خرزانية, ثلاث فتيات صغيرات تتراوح أعمارهن كما يبدو بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة وغلام طويل الشعر, ربما يكون في الرابعة عشرة, وقد أدهش أوشنباخ وهو يلاحظ الجمال المكتمل الذي يتحلى به هذا الغلام, وجهه بلون القمر الخافت, وسيم في صمته, ينسدل الشعر حول وجهه بلون العسل, والأنف متجه في خط مستقيم الى فمه الرقيق, يعطيك انطباعا بالرزانة الساحرة الربانية, يذكرك بتمثال اغريقي من أشد العصور نبلا, صورته النهائية التي صيغت في دقة بالغة البهاء..) كان الصباح جميلا, مشمسا بعد عاصفة الامس, وكنت أرى المكان كله بعيني السيد أوشنباخ, وكنت اتخيل الأسرة البولندية تسعى هنا وهناك, ثم جرى الفتى على الشاطئ, ورغم انني كنت حاضرا في المكان, الا ان رؤية توماس مان في الرواية هي التي حددت لي كل ما أراه, وما هذا الا تأثير الأدب العظيم.