(... لكل دولة سيف ولكن ليس لكل سيف دولة) هكذا هي سنة الدنيا وتلك مقولة لعلك تستنتجها وتقولها معي لو تأملت الحياة وتاريخها ونظرت كم من سيف مشهر خرج فيها ولمع حده ثم تثلم وسقط أو أغمد وعاد من حيث بدأ, ولا شك ان كل سيف أشهر كان يطلب دولة ولكن لم تتحقق له. وفي الحياة سيوف لا تطلب دولا وان كانت سيوفا, فليس كل سيف سياسي خارج طامح لتحقيق دولة فهناك سيوف في كل مجال.. سيوف في العلم والأدب والحرب والسلام والطب وسيوف للدين والحرية ففي كل فن سيف ولكن من ذا يخلد كل تلك السيوف ويكتب أسماءها على قمم المجد إنه لا شك الأثر الذي تتركه تلك السيوف فإن كان أثرا عميقا ترك مواطن ضرباته على تلك القمم الشامخة وان كان أثره ضعيفا ظاهريا غاب ومحت الدوارس آثاره ومرت عليها رياح الدهر تطمس, ولكن من الذي كشف عن سيف دولة مغمور وخلده بشعر إنه لا شك أبو الطيب المتنبي ذلك الذي وافق زمنه زمن أمير هو سيف الدولة الحمداني ذلك السيف الذي من يدري انه لولا أبو الطيب الذي ألبسه حلة الخلود لما عرف به أحد إلا أهل البحث في التاريخ. المهم ان المتنبي بلقائه سيف الدولة في تلك الحقبة من الزمن العباسي خلد نفسه فجعل من نفسه سيفا وخلد سيف الدولة الذي لولاه لما كان سيفا يذكر. فلقاء المتنبي بسيف الدولة لم يكن لقاء شاعر مداح وحسب بأمير يجزل العطايا للشعراء ولو كان الأمر كذلك لكان المتنبي خامل الذكر لا اسم له ولا شأن ولو كان كل شاعر يلتقي بأمير يكون مثل المتنبي وسيف الدولة لكان كل شاعر متنبيا وكان كل أمير سيف دولة, فما السر يا ترى في أن سيف الدولة غير كل الأمراء وما سر أن المتنبي غير كل الشعراء على الأقل في تلك الحقبة من الزمن؟ إنني في ذلك أزعم إذا لم أجزم ان السر يكمن في قول أبي الطيب: خليلي اني لا أرى غير شاعر فلم منهم الدعوى ومني القصائد فلا تعجبا إن السيوف كثيرة ولكن سيف الدولة اليوم واحد فإن المتنبي في هذين البيتين اختصر كلاما طويلا وأوجز ما يعتمل في نفسه وأظهر وأكد ان لقاءه بسيف الدولة لم يكن لقاء شاعر متكسب وأمير يجزل العطايا ولكنه لقاء أوحدين فريدين لقاء شاعر أوحد فذ بأمير أوحد فذ الشاعر وحيد عصره له الشعر ولغيره دعاوى الشعر والأمير سيف أوحد وان كثرت السيوف, ففي هذين البيتين حديث لم يكن ليخفى على فطن كسيف الدولة حديث يقول له أنا وأنت رأسان متساويان بل سيفان, أنا سيف شعر وأنت سيف دولة بل أنا سيف دولة الشعر وأنت سيف دولة السياسة والملك. وهناك أبيات كثيرة عند المتنبي تدل على أن المتنبي لم يكن شاعرا عاديا في مجلس أمير بل كان شاعرا يعلم الأمير بأنه أمير من أمراء الشعر فيقبل منه ما لا يقبله الأمير إلا من أمير مثله يقبل منه العتاب والفخر بنفسه بل الاطراء على نفسه بما لا يطري به الأمير. أولم يقل في مجلس الأمير: سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا بأنني خير من تسعى به قدم والدليل على انه غير طالب كسب وحسب بل طالب مجد لا ينبغي إلا لأمير انه فارق سيف الدولة فراق عزيز يعلم بل يؤكد ان فراقه ذلك يترك في ملك سيف الدولة ثلما عظيما فقال: لئن تركن ضميرا عن ميامننا ليحدثن لمن ودعتهم ندم إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همو وهكذا هو فراق الأقوياء فراق فيه عزة وكرامة هو الامارة الحقيقية امارة شعر لا مثيل لها لا تتكرر عند كثير من الشعراء لسببين الأول ان أمثال المتنبي أمراء الشعر لا يتكررون كثيرا وأمثال سيف الدولة من أمراء السيف الذين يعرفون لأمراء الشعر مكانتهم لا يتكررون كثيرا, لذلك صار أبو الطيب المتنبي مثالا للشعراء إذا عاتبوا وغضبوا كغضب أبي الطيب وصار سيف الدولة مثالا لأمراء السيف الذين يقبلون العتاب من شاعر كالمتنبي. ومن أولئك الشعراء الذين وقفوا موقف الدولة عند سيف دولتهم في عصرنا الحاضر غازي القصيبي ذاك الذي وجد نفسه في موقف يشبه موقف أبي الطيب من الوشاة والحساد عند سيف الدولة فقال قصيدة فيها من روح أبي الطيب عتب كثير من شاعر عاتب لم يرعه انه في حضرة (سيف دولة) بل راح يتلبس روح أبي الطيب ويقول يخاطب سيف الدولة: وأراك ما بين الجموع فلا أرى تلك البشاشة في الملامح تعشب وتمر عينك بي وتهرع مثلما عبر الغريب مروعا يتوثب بيني وبينك ألف واشٍ يكذب وتظلُّ تسمعه ولست تكذبُ وهي أبيات لو دقق العارف بشعر أبي الطيب لوجد روحها في قول أبي الطيب عندما جافاه سيف الدولة فقال: أرى ذلك القرب صار ازورارا وصار طويل السلام اختصارا تركتني اليوم في خجلةٍ أموت مرارا وأحيا مرارا ويتضح اقتراب القصيبي من أبي الطيب أكثر وأكثر إذا قرأت قوله: أنا شاعر الدنيا تبطن ظهرها شعري يشرق عبرها ويغرب أنا شاعر الأفلاك كل كلمةٍ منّي على شفة الخلود تأهب أولا يقترب ذلك من فخر المتنبي بنفسه في حضرة سيف الدولة وهو يقول: وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا وقوله في قصيدة أخرى: أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت وإذا نطقت فإنني الجوزاء بلى إن ذلك قريب جدا بعضه من بعض فالشاعران كلاهما مفتخر بنفسه يعاتب سيف دولته بترفق وترقق غير معتاد عند الشعراء المادحين لان عتاب الأمير والفخر في حضرته لا يقبل من شاعر إلا إذا كان هذا الشاعر سيفا كالأمير وإلا فأي شاعر قادر أن يقف موقف العاتب المفتخر الكاشف لكل هذا الزيف الذي يحيط عادة بأصحاب السلطان ممن حولهم فيقول كما قال القصيبي: ستقال فيك قصائد مأجورة فالمادحون الجائعون تأهبوا دعوى الوداد تجول فوق شفافههم أما القلوب فجال فيها أشعب لا يستوي قلم يباع ويشترى ويراعه بدم المحاجر يكتب إن هذا موقف عظيم وجرئ لا يقفه كثير إلا شاعر يشبه المتنبي.