جمعتنا الظروف قبل بضعة أشهر في دبي برئيس تحرير إحدى الصحف العربية الشهيرة الصادرة في لندن وكان الحديث يدور حول العمل الصحفي وهموم مهنة البحث عن المتاعب, وفاجأنا رئيس التحرير بدحضه لمقولة (مهنة البحث عن المتاعب) قائلا: (هذه ليست مهنة البحث عن المتاعب ولكننا نحن معشر الصحفيين نود أن نخلق لأنفسنا هالة ونشعر الآخرين بأهميتنا ومشقة مهنتنا وفي واقع الأمر هناك مهن أخرى أكثر تعبا ومشقة) . وربما يكون ذلك التوصيف غير موفق وغير دقيق إلى حد ما لأن العاملين في حقل الصحافة ومنتسبي المهنة يدركون ذلك أكثر من غيرهم وهي حقيقة يلمسها الصحفيون أينما كانوا ويعلمها العامة من الناس. ومعلوم ان وسم العمل الصحفي بمهنة البحث عن المتاعب لم يأت جزافا وإنما جاء لتوصيف المهنة وحال الصحفيين وبحثهم عن الحقائق والظروف التي يعملون بها والمخاطر التي يتعرضون لها أحيانا في بعض بلدان العالم من قمع ومطاردة واستهداف قد يصل إلى فقدان حياتهم أثناء محاولاتهم الحصول على معلومة أو خبر, ناهيك عن حالة الاستنفار الدائم وحب الاستطلاع المتواصل الذي لا يفارق الصحفي حتى في منامه فقد يحلم بعنوان بارز أو مانشيت انفراد أو خبطة صحفية تهز الدنيا أو موضوع يقفز إلى مخيلته فيمتشق قلمه ويدونه قبل أن تطير الفكرة وتذهب السكرة. وفي هذا الاطار تستحضرني مقولة أحد الزملاء التي يرددها دوما بأن الصحيفة هي الزوجة الثانية التي تستحوذ على عقل وقلب ووقت وجهد الصحفي أكثر من الزوجة الأولى التي يقضي معها زوجها ساعات معدودة خلال اليوم يكون خلالها مشدودا وغارقا في تفكيره وهائما بالزوجة الثانية, هذا إن لم تكن الصحيفة هي الزوجة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة إذا كان الصحفي متزوجا من اثنتين أو ثلاث أو أربع. أما ثالثة الأثافي فهي العلاقات الاجتماعية, فالصحفي النشط في مهنته والمخلص عادة ما تكون علاقاته الاجتماعية ضعيفة وربما تكون في حدودها الدنيا نتيجة عدم التواصل والانقطاع عن الأصدقاء والأقرباء بسبب زحمة العمل وتلاحقه ضمن تواتر متواصل لا ينتهي وسلسلة من القضايا المتتابعة.. وهكذا دواليك. لقد قيل ان الصحفي يعمل على مدار 25 ساعة في اليوم الذي لا تزيد ساعاته على 24 ساعة, وحري بالقول ان الصحافة أصبحت مهنة تقف فوق أرض صلبة من القوانين والمقاييس والدراسات, والصحافة أيضا تعطي القيمة الفعلية للكلمة, فأهمية الكلمة هي أن تقال, وتكتب, وتقرأ, وتسمع, وأهميتها هي في أن تكون من العقل وإليه. وأخيرا.. هل حقا هي مهنة البحث عن المتاعب أم ادعاءات مبالغ فيها للمزايدات على المهن الأخرى؟ صالح القاضي