كان القاضي يسير في الطريق مع زوجته, وربما كانا يتسوقان, والقاضي بشر مثل غيره من الناس يتسوق أحيانا مع زوجته. وكان يوسف ادريس عندما كنا في بداية المشوار يسألنا مازحا: هل تصدقون أن ملكة بريطانيا تدخل الحمام مثلها في ذلك مثل أم فتحي العوراء خادمة الجيران. ولأن يوسف ادريس كان طبيبا, فلقد كان يعرف بالطبع التكوين الفسيولوجي للانسان. وحتى لو لم يكن يعرف, فهو كأي انسان آخر يدرك أن كل البشر يذهبون الى الحمام.. وصديق لي حضر مؤتمر شرم الشيخ لا أعاده الله, أقصد بالطبع المؤتمر لا صديقي, وكانت أفخم حكاياته عن المؤتمر أنه عندما دخل الحمام وجد كلينتون فيه. وأن كلا منهما حيا الآخر, وهما في هذا الموقف الانساني! ونعود الى قصة القاضي الذي كان يسير مع زوجته في الطين.. ولابد أن الزوجة كانت جميلة. لم يشر أحد الى هذه الحقيقة, ولعلها كانت محجبة. بل هي بالتأكيد كانت محجبة, ولكن كل ما في القصة يؤكد أن الزوجة كانت جميلة. وأكبر دليل على هذا غيرة القاضي عليها غيرة كبيرة. وما أظن أن النساء الجميلات فقط موضع غيرة أزواجهن, فأحيانا تحظى المرأة التي لا تتمتع بحسن كبير بغيرة زوجها ولكنني أميل في قصتي هذه الى أن الزوجة كانت جميلة. ولأنني أرى واقعية افتراضي هذا, فلقد كان الرجال يختلسون النظرات الى الزوجة. وبالتأكيد ضايق هذا القاضي, ولكن ربما كان أكثر ما ضايقه حدسه أن زوجته سعيدة بالنظرات المختلسة ومن يدري.. لعله كان يظن أنها تشجع هذه النظرات. ولذلك كان القاضي يسير في ضيق شديد. وأعجبني أنه كان يتعجل العودة الى منزله ليغلق الباب على زوجته, ويستريح. ولكن كان ينتظره ما لا يتوقعه. فلقد مر على عطار فرأى منه ما لم يعجبه. وليس من المتفق عليه أن العطار يتميز بالحكمة, ولكننا جميعا نفترض هذا, فهو رجل يتعامل بدقة في مقادير بضاعته. ورجل كهذا لابد أنه على قدر من الحكمة فلا يتفرس في امرأة تسير في الطريق. ولكن القاضي رأى من العطار ما لا يندرج تحت باب الحكمة. فلقد نظر العطار الى الزوجة الجميلة أو هذا ما رأه نظرة طويلة فاحصة اخترقت ملابسها. وتحسست جسدها, واستترت عليه ما استطاعت. وغضب القاضي, أو ازداد غضبه, فأمر الشرطة بالامساك بالعطار الذي هتك عرض زوجته بنظراته. وفعلا قبضت الشرطة على العطار, ومجاملة رجال الشرطة للقاضي تعني أنهم أوسعوا العطار ضربا. وانتشر الخبر في البصرة, وربما سمع الناس صيحات العطار وهو يتوجع! وذهب الناس الى المخفر محاولين شرح ما حدث. فالعطار المسكين (أحول) وعندما هتك عرض زوجة القاضي بنظراته, في أغلب الظن لم يكن يراها. ولكن الحول ليس في العيون فقط, فأكثر ما يحدث في العقول ونسميه أحيانا الوسواس القهري, وأحيانا جنون الفكرة الثابتة. وهناك كاتب كبير له مقال اسبوعي يشتم فيه الشيوعيين والناصريين والوجوديين, فاذا حدث زلزال في بنما فهم وراءه, واذا حدث جفاف في رواندا فهم السبب واذا سقط بيت في كفر الشيخ فهم المسئولون طبعا. ولأن رجال الشرطة والقاضي مصابون بالحول العقلي لم يسمعوا للأهالي الذين أتوا يدافعون عن مواطنهم المظلوم. وازاحوهم عن مقر الشرطة بالعنف, فرد الناس التحية بأحسن منها, وأحرقوا مقر الشرطة, وأسرعوا الى المحكمة ليحرقوها هي أيضا, وكلما قابلوا أحدا من المنتمين الى القضاء أو الشرطة ضربوه ثأرا للعطار المسكين. ونتيجة ما فعله الناس شفي رجال الشرطة والقاضي من الحول اللعين, وأفرجوا عن العطار ولكن لسوء حظه كان في حالة سيئة, الى حد أنها استفزت الناس فعادوا الى مقر الشرطة والمحكمة ينتقمون لزميلهم. والقصة كما ترى لطيفة رغم مأساويتها, ولم يسمعها أحد أو يقرأها إلا وضحك, ومع ذلك فهي تثير أسئلة كثيرة عن العدل. فالقصة تبرئ العطار من جريمة النظر الى زوجة القاضي بطريقة أشعلت النار في عروقه. وأتمنى لو أنني قابلته وسألته إن كان فعلا قد مارس جريمة النظر قصدا أم أنه كان بريئا. واذا اعترف في أنه اشتهى المرأة بنظراته, ثم احتمى بحوله, فلا يعني هذا عدالة القاضي, لكن القضية تأخذ مجرى آخر. وفي الحقيقة لم يحاول أحد تجريم العطار غير القاضي الذي عاد واعتذر عن اتهامه. والآن يجلس العطار أمام دكانه يحدق في النسوة السائحات دون أن يجرؤ أحد الأزواج على ابداء تأففه. ما يشغلنا في هذا موقف القاضي الذي أصدر حكما في قضية شخصية, وكان أحرى به أن يتنحى عن أي (حكم) في هذا الأمر تاركا هذا لغيره. ولم يكتف بهذا بل أصدر (حكمه) بناء على شهادة شخص واحد هو نفسه! ولم يسمع الى أي شاهد آخر. ولم يسمع الى دفاع المتهم بل لم يسمع رأي الزوجة فلعلها كانت مستمتعة بنظرات العطار, وربما كانت هي التي استجدت نظرات العطار. وذات مرة كتبت عملا عن قاض فاسد, ولم ترفضه الرقابة لأن أصدقائي قاموا بمهمة الرقابة في أشد حالاتها. فلقد اعترضوا تماما على العمل. وطلبوا مني تغيير مهنة البطل. وقال لي أحدهم: يا أخي لقد فسد كل شيء حولنا, فاترك لنا شيئا نحترمه! وكان الجميع يقولون شيئا كهذا. ولكن هذا المنطق غير صحيح. أنا لا أزعم بهذا العمل أن عدد القضاة الفاسدين كبير. لكن التنبيه الى واحد يفيد ولا يضر. فلن يضرنا إلا أن نضع رؤوسنا في الرمال كالنعام اذا كان النعام يفعل ذلك فعلا.. والشذوذ لا ينفي القاعدة بل يؤكدها. والقاضي انسان مثل كل البشر, أحيانا يكون تحت ضغوط مشاعر انسانية مثل الغيرة كما حدث لقاضينا هذا, فينقلب الى جلاد يعاقب العطار البائس, وبعدها يكتشف براءته. وقد يكون واقعا تحت ضغط المزاج الشديد, فلقد قبضت الشرطة على قاض يروج ويتعاطى المخدرات. ولأنها لم تكن المرة الأولى سجلت له الاذاعة اعترافا وأذاعته في أحد برامجها. واجتمع وزير العدل وأرسل رجاله ليأتوا بأصحاب البرنامج, فلم يجدوا سوى مذيعة صغيرة, أمسكوا بها, ولما سمع المخرج الكبير بالأمر ثار وذهب اليهم ليخرجوا المذيعة, فألقوا القبض عليه. ورغم الافراج عنه في اليوم نفسه, إلا أنه قدم استقالته وترك هذا العمل الذي عرضه للحبس في شيخوخته. وقبل أن انتهي من كتابة هذا المقال حدثني صديقي المحامي قال لي: أسمعت ما حدث؟ وأنا لي قضيتان عمر الأولى عشرة أعوام وعمر الثانية ثمانية أعوام. والقضية الثانية.. الأكثر طفولة.. كانت لدى محام كبير أهملها اهمالا جسيما, وحاول صديقي اصلاح الأمر بقدر ما يستطيع, لكن الموقف كان يائسا. وإذ به يخبرني أن القاضي حكم لصالحي. ومددت يدي لأمزق هذا المقال, ولكنني تراجعت, فالحديث عن قاض غيور على زوجته, لا يسيء الى كل القضاة, والحديث عن طبيب يسرق كلية مريض, لا يمنع أن تثق بغيره, ولكن من باب الاحتياط ادع الله أن يصيبنا الهول لننجو من العقاب!