بعد انهاء التخصص في آداب الانجليزية ظلت النفس تتوق الى أن تثقف تراث العربية في مناهله الأصلية وفي مظانّه الأولى. وكم كنا نحسد أو بالأدق نغبط أقراننا من خريجي دار العلوم أو أقسام اللغة العربية في كليات الآداب على أن اصطنعوا جسرا يربطهم بهذا التراث بالغ الثراء, إذ يمتد ـ كما لعلك تعلم ـ أكثر من ألف وخمسمئة سنة وهو امتداد موصول وسائغ ومفهوم.. واي تلميذ مجتهد يستطيع أن يقرأ ويفهم وربما يستمتع بقول زهير بن أبي سلمى مثلا: ومن لم يزد عن حوضه بسلاحه يهدّم ومن لا يظلم الناس يُظلم وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجَّم أو قولة النابغة الذبياني مخاطبا النعمان بن المنذر: فإنك شمس والملوك كواكب إذا طَلَعتْ, لم يبد منهن كوكب طبعا بصرف النظر عن تهور العم زهير في حكاية ومن لا يظلم الناس يُظلم رغم أنه كان رجلا محترما عاقلا ومهذبا, دع عنك صرف النظر عن النفاق السافر في تملق النابغة للنعمان وهو تملق لعلك تدري أن سببه كان خوف الشاعر ليل نهار من بطش صاحب (الحيرة) وقد كان النعمان رجلا متقلب المزاج أقرب الى الشخصية السيكوباتية كما قد نصفها.. ألم تتواتر الروايات انه كان يجعل يوما لسعوده حيث ينعم على من يدخل عليه ويوما آخر لنحوسه؟ والويل والخيبة الثقيلة لمن يلقي به حظه التاعس في ذلك اليوم المكفهر من أيام صاحبنا النعمان.. المهم أن أشعار الجاهليين, أو جمهرتهم على الأقل مازالت سائغة ومفهومة ولا تحتاج الى ترجمان اللهم إلا بعض الحواشي تجود بها أقلام الشرَّاح والمحققين حول نقطة هنا وكلمة هناك يعسر فهمها, لا بصعوبة اللغة في متنها أو نحوها أو صرفها بل لأن اللفظة أو الكلمة, تكون من صميم حياة الجاهليين في بواديهم ومواقع أسمائهم وأتراحهم وحروبهم وكسب معاشهم وأساليب ادارتهم لمهام الحياة. أين هذا من متكلمي الانجليزية مثلا وأقرب من يفهمونه في تراثهم, إن فهموه, هو شاعرهم القديم الشهير جيوفري تشوسر (1340-1400) صاحب (حكايات كنتربري) التي يصعب متابعتها على الانجليز المحدثين بل ان ما قبل تشوسر نفسه يكاد يكون لغة أخرى, يكتفي القوم بتسميتها من باب المجاملة كما نظن باسم الانجليزية القديمة (أولد انجلش) ولها اختصاصيوها العاكفون على فكّ رموزها داخل أبراج الجامعات والأكاديميات, وبهذا فإن الانجليزية المفهومة حتى في عالم الأدب والثقافة لايكاد عمرها يزيد على 5 قرون من عمر الزمن. وفي غمرة الحسد الذي كنت أتابع به مناقشات وحوارات اخواننا المتخصصين في تراث العربية كنت أسمع كثيرا, وأقرأ أحيانا عن (شعراء اليتيمة) وكم نازعت النفس كي أسأل عن حكاية اليتيمة هذه أهي موقع في الجاهلية مثلا؟ وتلك عبارة نقرأها كثيرا في كتب تحقيق التراث, وبعضها صحيح كما نظن وبعضها من باب سد الخانة وإبراء الذمة كما نظن أيضا.. أم هي اليتيمة فرقة أو نقابة أنشأها شعراء الكوفة أو متكلمو البصرة أم لعلها صالون أدبي افتتحه مثلا وزير شاعر وأديب من طراز ابن عباد في وادي الطلح الشهير من رياض أشبيلية الأندلسية؟ سقى الله أيامها الخوالي النضرات بالحضارة والثقافة والازدهار. وربما لم يطل الأمر كثيرا حتى عرفت أن المقصود هنا هو كتاب بعنوان يتيمة الدهر وفريدة العصر لمؤلفه المحترم أبو منصور الثعالبي الذي رحل عن الدنيا كما تقول معاجم السير التي بين أيدينا, وهي لعمرنا ضنينة إذ نحن في أمريكا لانزال, في عام 1038 للميلاد. وفي كتابه إياه يأتي الثعالبي عليه رحمة الله على ذكر أقوام وأجيال من شعراء العربية في عصور شتى, ولفرط شهرة الكتاب ظل الناس يكتفون بالاشارة الى اسمه الأول (اليتيمة ) فما بالك اذا كان هؤلاء الناس من متخصصي علوم العربية الذين كانوا يتداولون الاسم فيما بينهم وخاصة أمام أمثالنا ممن أدخلهم أصحابنا في عداد الخواجات المستغربين أو المستشرقين.. إذ ينطق أصحابنا اسم اليتيمة وقد تبادلوا فيما بينهم نظرات اقرب الى نظرات أهل الحرفة الذين يتبادلون مصطلحاتها الخاصة المقصورة عليهم ويتداولونها بمثل الكود أو السيم على أنها رموز مخفية على أمثالنا من الغرباء أو الدخلاء. ولكن ها هي المصادفات تدبر لقاء بين الفقير كاتب السطور وبين صاحبنا الثعالبي. وهي صدفة سعيدة لأنها ترطب وعثاء فترة اقامتنا الراهنة في أمريكا. وهي فترة تؤذن إن شاء الله الى انتهاء في غضون أسابيع. ولكن مع الصدفة السعيدة التي جعلتنا نطلع على بعض ما خلفه عالم كبير في حجم الثعالبي ونحن بعيدون أميالا بالمئات عن الوطن اليعربي السعيد إلا أن الثعالبي جاءنا ليزيدنا تعقيدا وهموما. لم يكن اللقاء حول كتابه (اليتيمة) بل حول كتاب آخر بعنوان: (فقه اللغة وسرّ العربية). وهو عنوان حداثي كما ترى.. وهو كتاب دقيق الحجم نسبيا لكنه كاف كما نتصور لكي يشعر المرء بعد قراءته أن مازال بينه وبين إجادة اللغة العربية شأو بعيد.. وكم كنا نحسب أننا عرفنا الكثير من أسرار لغتنا وكم أنفقنا في هذا الذي عرفناه زمنا ليس بالقصير.. وأموالا ليست بالهينة ولا المحدودة (طبعا بالقياس الى ميزانيتنا التي قد لا يخفى عليك أنها باستمرار هينة ومحدودة, والمسائل نسبية في كل حال). فاذا بصاحبنا الثعالبي يشعرنا في كتبه أن علينا بل على كل متذوق للغة العربية وكل متأدب في ابداعاتها أن يواصل التعلم إن لم يبدأ عملية التعلم من جديد. وأول ما نتعلمه من (فقه اللغة وسر العربية) أن ليس هناك ترادف في الفاظ لغتنا فقد أرجف الذين أفهمونا يوما أن (كله عند العرب صابون) بمعنى أن الألفاظ متشابهة أو مترادفة ولك أن تختار من بينها ما تشاء.. وحتى الصابون فيه أنواع شتى من حيث التميز والحجم والشكل والسعر والعبير الفواح (آخر التقاليع الأمريكية هو اختراع صابون برائحة يود البحر). لا ترادف في اللغة.. وكل لفظة في متنها تعبر عن حالة بذاتها وعن مفهوم بعينه, والتشابه أو الترادف مرده الى جهل أصحابها بثراء لغتهم وعبقريتها في دقة التعبير. لاعجب أن ينفق مثقف قديم هو (أبو علي الفارسي) ردحا طويلا من جهوده العلمية لاثبات أن حكاية الترادف هذه لا أساس لها من الصحة واذا كان للسيف مئة اسم فالحقيقة أن هذه الحرفة من الأسماء إنما تصف مئة سيف لكل منها رسمه وصناعته وكسمه وسماته وخصائصه. وبهذه المناسبة روى أن أبا العلاء المعري, كان سمع من يشتمه في مجلس ما ويصفه بأنه حاشاك (كلب) وبدلا من أن يستشيط الشاعر الفيلسوف غضبا قيل أنه رد قائلا: الكلب هو من لايعرف أن للكلب ستين اسما. وبديهي أن كلا من الأسماء الستين وقد تقل في عصرنا وقد تزيد بصدق على نوعية بعينها أو سلالة بذاتها منها المولد ومنها البلدي ومنها السلوقي ومنها الروي ولا ندري هل كان المعري يحلم بأن تضم هذه القائمة اسم السيد جونتر وهو أغنى الكلاب في العالم إذ أوصت له صاحبته الكونتيسة بثروتها المليونية الطائلة وهكذا أصبح نباحه أوامر يهرع الى تنفيذها هيئة من الموظفين المطيعين لتنفيذ الوصية ويشترون الابعاديات والدساكر والعقارات باسم الكلب المحظوظ المذكور. وحتى في دنيا الكلاب هناك قطمير الكلب المناضل مع أصحاب الكهف وهناك الكلب لاسي النجم السينمائي الشهير ثم الكلب جونتر المليونير الأمثل و.. ها هي المساحة تؤذن الى انتهاء كي تسلمنا الى حديث لاحق وبالتفصيل عن طرائف كتاب الثعالبي في أبوابه الثلاثين.. فانتظر.