تبدو حواري القاهرة كأنها لوحة من فن الأرابيسك, كل وحدة صغيرة, مثلثا كان أو دائرة أو خطا أو مربعا, قائمة بذاتها, مستقلة. لكن كل وحدة متصلة بما بعدها, ويمكن أن يستمر التكرار إلى مالا نهاية, تماما مثل الحياة في خصوصيتها وعموميتها, على المستوى الفردي محدودة لها بداية ونهاية. لكن على المستوى العام مستمرة دائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. تتدرج المدينة القديمة من شارع إلى درب أقل اتساعا. إلى زقاق, الى عطفة إلى خوخة أي فتحة في بناء تؤدي من مكان الى مكان, وللمدينة القديمة حيواتها, وايقاعاتها, وأصواتها, وظلالها. وهسيسها أيضا, عرفت القاهرة القديمة من خلال درب الطبلاوي المتفرع من شارع قصر الشوق.. انه درب سد, أي لا يؤدي إلى حارة أخرى أو زقاق, لذلك كان عالما قائما بذاته, المركز منه قصر المسافرخانة الاثرى, الضخم, الذي شيده محمد علي باشا كمقر للضيافة, ثم أهمل, إلى أن احترق منذ عامين وتم تدميره, كان البيت الذي فتحت عيني فيه على الدنيا يطل على المسافرخانة, وكان يطل على أفق المدينة المفتوح, ومنها تصل الأصوات, لم تكن بالفخامة التي عليها الآن, ولم يكن أفقها ملوثا كما نرى الآن, كان للمدينة مجمل الأصوات المنبعثة منها, وللحارة أصواتها. حركة سكانها التي تبدأ فجرا, عندما تسمع رقرقة الماء المصاحبة للضوء, وزحف القباقيب فوق الأرضيات, ثم مناداة الرجال بعضهم البعض, وخروجهم جماعة الى مسجد سيدنا الحسين لأداء صلاة الفجر. يعود الرجال, وتبدأ ذبذبة الحياة اليومية, من أمام بيت الفص (عائلة مشهورة بالجزارة) تتحرك عربة يجرها حصان, مغلقة, كان يقودها رجل بدين, نوبي, غامق السمرة, فسيح العينين, كأنه أصل متقن لتمثال مصري قديم, يجلس متزنا, متوازنا, ممسكا بطرفي المقود, احتكاك العجلات بالبلاط الحجري للحارة, يبدأ قريبا ويبتعد, يتوارى شيئا فشيئا. اللبن, انه شراب البواكير, (حليب ياقشطة), كان القسط الكبير نظيفا, والوعاء الصغير الذي تتم التعبئة به أنظف, والبائع الجلي الصورة, ناصع الجلباب, وكان المكيال المعدني ممهورا بخاتم مصلحة الدمغة والموازين, والكيل بالرطل. اللبان يطوف مناديا على بضاعته, ولكن أشهر اثنين في المنطقة, هما المالكي والمطل على ميدان سيدنا, ومحمود المجاور للمسجد, لابد أن يذهب الراغب اليهما, حيث بخار اللبن الهادئ المنعم بالسكينة والرضا يعبق المكان. العائدون من الصلاة يحملون أوعية فيها اللبن, أو الفول, باعة الفول لا يدخلون الحارة, لهم مواقع يتمركزون فيها. وعلى الراغب الذهاب اليهم, وامام مدخل الدرب كانت هناك عربة تتوسطها (القدرة) محملة بالخبز والبصل الأخضر وأواني الزيت. عم محمد بائع الصحف, كان يدخل الحارة حافيا, مرتديا صديريا بلديا له سحنة فلاح فرعوني, وكان ينادي على (المصري) (الاهرام) , ويوم السبت (أخبار اليوم) , يتصارع الايقاع, فهذا بائع للخضار, وذاك للبصل والثوم, وثالث للتوابل, وبظهور الباعة يتردد في فراغ الحارة أصوات النساء عبر النوافذ والشرفات, (أنت ياعم يابتاع الـ) كل بائع هو (عم) حتى لو كان شابا صغيرا, تعلو أصوات باعة الروبابيكيا, خلال الصباح تنشط الأصوات مع بداية النهار, والسعي من أجل المعاش, ثم تهدأ في الظهيرة, ويخلو الجو لهديل اليمام. هديل الحمام, صوصوة العصافير, نقيق الحدأة, صراخ البوم ليلا. ورورة الكروان فجرا. للطيور مكانها في الحارة. أوقاتها, فما يظهر نهارا يهجع ليلا, ويخرج غيره, وما يظهر صباحا لا يكون ظهرا أو عصرا. وكان المسافرخانة مزارا ومأوى للطيور المهاجرة من صقيع الشمال إلى دفء الجنوب. ولتلك الطيور مواقيت وأماكن, وعند معظمها نفور من الأماكن الخربة. كانت جزءا من عالم الحارة وحضورها. وبدأ تعرفي عليها منذ بواكير وقتي. من معالم أصوات الحارة. أقواها وأشدها جسارة الحدأة. كنت أرقبها في المساء محلقة على ارتفاعات شاهقة, فرادى, قادمة من الشرق دائما, من المقطم. نوع من الجوارح, تتكاثر أسرابها عندما ترصد فريسة, دجاج, أو أرانب, أو كتاكيت, حية أو ميتة, وعند انقضاضها يكون لها صرخات قصار. فوق السطح كان ينتصب هوائي لمذياع جارتنا التي كانت أول من أدخلته إلى الحارة, كان مذياعا ضخما, مثله الآن معروض في متاجر التحف, متصل بسلك ينتهي الى عمودين من خشب فوق السطح, كلاهما متصلان بأسلاك سوداء, لم يكن ذلك من أجل الأطباق الفضائية, انما للمذياع العادي, فوق الهوائي تحط الحدأة أذكرها بلونها البني وتدرجاته, ونظراتها الجانبية. في الشتاء كنت أرى الهدهد بخيلاته, وخطواته الراقصة, وأبوفصادة, والبلابل, وطيورا أخرى لا أعرف اسماءها, او المواضع التي جاءت منها, كنت غضا, صغيرا, منبهرا بألوان الريش, والقدرة على التحليق, وتلك الخيلاء في مشيها, وأصواتها التي ينتمي كل منها إلى نغم وقرار مكين, كان أفق المدينة يرصع مازال عند العصر بأسراب الحمام, تطير من أبراجها الخشبية, كل منها يعرف باسم (غية), وصاحب (الغية) درب أسرابه على لون معين للعلم الذي يلوح به وصفير خاص, ويجري التنافس في الفضاء وربما ضم هذا السرب بعضا من حمام سرب آخر, ولكن مع اقتراب الشمس من حد الأفق ينطلق الصفير الداعي الى العودة, وشيئا فشيئا يكتمل الغروب, ويبدأ الغسق, ثم الليل وما وسق. بدأت صلتي بالطيور فوق هذا السطح, أعتدتها وأحببتها, وتتبعت أنواعها عبر مراحل عمرى, وقرأت عن عاداتها, وللجاحظ اهتمام كبير في كتابه (الحيوان) بها, كذلك (الديرى), ومن أحدث الكتب الموسوعية الصادرة عن الحمام كتاب علمي, للمهندس محمد أحمد الحسيني, صادر منذ أيام عن دار الطلائع, يتحدث فيه عن أنواعه, ومساكنه, وطرق علاجه, والعناية به, وفهمه, قرأت العديد من المراجع عن الحمام, لكنني لم أسع قط إلى اقتنائه, فلا أحب الحبس لمخلوق ايا كان, أردد دائما أبيات الشعر الصيني القديم: افتح اقفاصي لتطير البلابل ارحم النجوم, فلا أشعل مصباحي قط. في صباي هذا كنت أتابع الطيور, واتحدث اليها, وإذا أصغي الى أصواتها, يخيل إلى انها تحدثني, وتمر السنوات, ونستوعب بالقراءة والتجربة, ونصل الى نتائج ما هي الا تكريس وتعميق لمفاهيمنا التي أدركناها في طفولتنا بعيون البراءة, وافئدة الدهشة. لا أعرف الآن مصير الطيور المهاجرة في الشتاء الى سماء مدينتنا بعد أن تضخمت وبعد أن ارتفعت نسبة التلوث فيها, وللطيور حواس مرهفة, خفية, قرأت عن توقف أسرابها عن الاتجاه الى المناطق التي اشتعلت فيها حرب الخليج الثانية عام واحد وتسعين, يخيل إلي أن زياراتها لمدينتنا أصبحت نادرة, لكن بقي في ذاكرتي هديل اليمام وقت الظهيرة, سمعته فوق سطح بيتنا وأنا وحيد ألهو فتحلقت به رغم أنه أشجاني, وأصغيت إليه اثناء تجوالي في عمائر القاهرة القديمة, وخاصة المسافرخانة, كان يتردد ذلك الهديل العذب, من أحد أركان البيت الذي كان آمنا, هادئا, مستقرا, كان بمثابة الملاذ الآمن للأرواح, الهاجعة, الحائرة , اذكر هديل الحمام واستدعي ما قاله الشاعر العربي القديم وما أكثر ما قيل في الحمام من شعر: رب ورقاء هتوف بالضحى ذات شجو صرخت في فنن ذكرت الفا ودهرا صالحا وبكت شوقا فهاجت حزني فبكائي ربما أرقها وبكائها ربما أرقني ولقد تشكو فما أفهمها ولقد أشكو فما تفهمني غير أني بالجوى أعرفها وهي أيضا بالجوى تعرفني حتى الآن, لا أستعيد هذا الهديل المؤثر, العذب, حتى ينفذ الحنين الى أعماقي, ويميل بي الهوى الى تلك الأيام التي كانت, التي ولت ولن تعود, يستنفر هذا الهديل كافة ما عرفته من أصوات تؤجج الذكرى, وتدفع بلحيظات العمر النائية التي تصبح مع التقدم في الرحلة وكأنها محطات وثيرة, آمنة, يلوذ بها المرء من جهامة الظروف, وقسوة الوقت, ولم أعرف ملاذا آمنا مثل أيام الحارة وأصواتها, خاصة أصوات اليمام وزقزقة العصافير, والأصوات البعيدة القادمة من أسراب الطيور العابرة للسماء, القادمة من صقيع الشمال الى دفء الجنوب, ولعل الأصوات القادمة من هذه الطيور العابرة, غير المقيمة, كانت مفتتحي لكي أدرك أصوات البعد, القادمة من بعيد الى صميم الحارة ونلخص الكون المحسوس كله.