لم يكن الفن يوما إلا تعبيراً عن واقع الحياة, فمنذ البدء حاول الانسان ان يعبر عن الواقع بالفن, لقد رسم رموزه على الجدران وجسمّها في تماثيل, اعتقاداً منه ان هذه الرموز تتلبس هذه الصور والتماثيل. ففي كل بقاع العالم القديم نجد الرسوم والتماثيل التي تجسد الرموز في أشكال مختلفة, أجلاها الذي يصورها وهي جالسة على كرسي الحكم وبيدها صولجان الملك تقضي وتحكم بين البشر, وهكذا دأب الانسان في معالجة ذاته ورؤيته للواقع من خلال حركات يقوم بها وكان الرسم والتصوير أهم هذه الحركات. ولقد ورثت المسيحية هذا الفن وقد كانت المجامع المسكونية تحفل بالأيقونات التي تجسّد العذراء وابنها عيسى عليهما السلام, أو تجسد المسيح وقد حمل ثلاثة رؤوس, وذلك تعبيراً عن وجود الأقانيم الثلاثة في شخص (يسوع) إلا انه من الملاحظ ان الحضارة الإسلامية تفتقد هذا النوع من الفن. ويرى الكاتب أحمد أمين ان الاسلام حرّم التصوير والتمثيل, وان العالم أجمل من كل شيء فني, وهو آلية يسيّرها الله بنواميس, لذا لا توجد دراما في الاسلام, كما يقول لويس ماسينيون ويذهب الباحث محمد عزيزة إلى التشكيك في وجود المنع الواضح في القرآن للتصوير والتجسيم, ويعتبر ان هذه اللعنة جاءت متأخرة. ومهما يكن من أمر, فإن هذا الفن اشتهر في أوروبا عصر النهضة, وكان ثمة فنانين تركوا أعمالاً خالدة, منحوتة أو مصورة أمثال (رافاييل ومايكل أنجلو وليورناردو دافينشي) وغيرهم من المبدعين. إلا ان القرن العشرين هو عصر التفجر الفكري على أوسع مداه, فلقد تنوعت العلوم وكثرت وتنوعت المدارس الفكرية وفي خضم هذا الأتون الفكري الملتهب ولد (بابلو بيكاسو) ذلك الاسباني الساحر, الذي استطاع بريشته ان يرسم العالم بما فيه من شقاء وسعادة, وأصبح بحق رائداً لهذا الفن, لقد بدأ بداية كلاسيكية ـ تقليدية, إلا انه ما لبس ان قفز قفزته النوعية, بعد ان عاش حياة الألم والغربة في باريس, لقد أدرك وهو ابن الثراء, ان العبقرية تولد من رحم الألم. وهكذا ترك اسبانيا ليعيش غربة باريسية عانى فيها كثيرا من شظف العيش وقلة المورد, إلا انه وفي باريس تولد عبقرية (بيكاسو) مع مرحلته الأولى التي أسماها (المرحلة الزرقاء) , وقد استخدم فيها اللون الأزرق للرسم فقط, وهي تعبر عن عذابه وآلامه وأشهر لوحات تلك المرحلة (لوحة الأعمى) ذلك الذي يمد يده لقصعة الطعام, ولكن يده لا تصل إليها, وهي تعبير عن الضياع في عالم لا يرحم. وتجيء بعد هذه المرحلة (المرحلة الرمادية) وفيها يستخدم اللون الرمادي للرسم فقط, وهي تعبر عن غربة الروح وعمق الألم, وتأتي بعد ذلك (المرحلة الوردية) وفيها تتفتح نفسه للحياة ويراها بعيون الأطفال, فيقبل عليها رغم خوفه منها, إلا انه ينتقل بعد ذلك إلى المزج بين هذه المراحل والتجريد. فأصبح يميل إلى تشويه الصور المألوفة وابداع أشكال جديدة فهو لم يعد يرسم الواقع بما فيه. بل راح يتوق إلى تجريد الواقع ورؤيته خطوطاً متداخلة متشابكة, وهكذا جاءت المدرسة التجريدية, ولكن هل كان بيكاسو أول من جرد؟ الحقيقة انه اعتمد على الرسوم التي خلفتها حضارات الأزتك والأنكا في قارة أمريكا والحضارة الفرعونية في مصر, فقد دأب الرسامون في هذه الحضارات على تشويه الشكل البشري, وهذا ما نلحظه في الرسوم الجدارية في معابد كل من هذه الحضارات, إلا ان لبيكاسو الفضل في نقل هذا الفن ليصوغه وفق منظور حاجات عصره الذي عاش فيه. وهكذا كان مجدداً ومبدعاً, لقد وهب حياته للابداع مستعملاً حدسه السريع ورد فعل ريشته الخفيفة التي رصدت كل الأحداث, لقد كان الرجل المفكر المدبر والمتطور مع الحدث, وقد قال: (كان الأهم عندي ان أدرك زمني خلال سنوات وجودي والتي تشكل ملمح حياتي, فلم يكن عندي أبداً طلاق بين انتماء الصورة وانتماء السياسة. محمد خليفة