ما الذي يجمع الشامي والمغربي؟.. هكذا يتساءل المصريون.. ونحسب أن لهذا المثل الاستفساري كما قد نسميه طبعات محلية أو قطرية أخرى ولو ببعض التصرف وربما يكون هذا التصرف نابعا من حقيقة الموقع الجغرافي.. ولأن مصر تقع في مركز متوسط أو تكاد من العالم العربي, فالمثل يتساءل عن جمع الشمل وهو صعب عمليا بين الشامي القادم من المشرق وبين المغربي القادم من أقصى الشمال الافريقي. ولو قدر لأهلنا في سوريا أن يطرحوا الاستفسار نفسه.. لتساءلوا مثلا, عما يجمع العراقي مع اللبناني ألا نرى أن في تراثنا الأدبي والشعبي مثلا آخر يعبر عن ذلك المنبتَّ الذي نفس خطه وتعثرت به المقادير فإذا به في حال لا نال فيها بلح الشام ولا عنب اليمن.. والمقياس الجغرافي هنا كما لا يخفى على لماحيتك يتبع بوصلة الشمال والجنوب رحلة الشتاء والصيف كما قد تقول.. وكلها.. والله أعلم ترجمة, ولو بتصرف لتلك المصادفات التي يعبر عنها البيت الفصيح الشهير: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا وتلك مصادفات أو اتفاقات الأقدار تداعت فجأة الى خاطر الفقير كاتب السطور وأنا أصغي الى حكاية صديقنا الشاعر صلاح عواد حول فنجان قهوة حالك السواد أسبرسو في رواق الوفود وهو المقهى أو المنتدى الأنيق في الطابق الثاني من مبنى الأمم المتحدة الذي قصدوا به أصلا والشهادة لله أن يكون مقصفا للمشروبات السريعة لراحة أصحاب السعادة سفراء الدول ومندوبيها لدى المنظمة الدولية الموقرة ولكن درجت العادة على أن يهوى اليه أيضا نفر من غير حاملي لقب الاكسلانس ومنهم زوار ومنهم طفيليون ومنهم أيضا معاشر الصحفيين الذين ننتمي الى زمرتهم. صديقنا صلاح عواد عراقي وشاعر وصحفي ومندوب لأكثر من وسيلة اعلام محترمة منها مثلا اذاعة لندن العربية بي.بي.سي. أراد أن يجري حديثا للصفحة الأوروبية لجريدة (الشرق الأوسط) على ما أذكر مع جون آشبري وهو من أهم شعراء أمريكا المعاصرين. وقد أصدر مؤخرا ديوانا بعنوان (صورة شخصية في مرآة محدبة). وكم كان صديقنا العراقي سعيدا حين دعاه آشبري الحاصل على جائزة بوكترز الرفيعة الى شقته الأنيقة في نيويورك لزوم التعارف بين شاعرين يمثلان بداهة ثقافتين ولغتين. وحين جلس صلاح عواد الى مقعده الجلدي الوثير في مكتبة الشاعر الأمريكي تلفت من حوله فاذا بصور معلقة على الجدران.. واذا به يطالع من بينها صورة.. عبدالحليم حافظ مطربنا الراحل الذي حملنا صوته ولايزال على أجنحة الشوق والعشق في زمن كان علما على الرومانسية والبراءة والسجن العميق. ما الذي أتى بالمطرب العربي الذي رحل الى مكتبة الشاعر الأمريكي الكبير؟ جون آشبري نفسه قال انه لايعرف أو لايكاد يعرف(!) الرجل لم يزر مصر ولا الشرق.. ولكنه لأمر ما سمع ذات يوم في زمن بعيد أو قريب عن موسيقى هذا الفنان الذي كانت أوتار حنجرته تمس شغاف القلب من أمة بأسرها.. وهنا تحول الفنان من سيرة الى قيمة فكان إن شقت صورته طريقها الى بيت يسكنه واحد من أبرز شعراء أمريكا. أذكر أول زيارة للفقير الى لندن.. نزلت العاصمة الانجليزية شبه ملهوف كمن يوشك أن يلقى محبوبا يصدق عليه قول بشار بن برد إن الاذن تعشق قبل العين أحيانا.. وهو شوق يدريه ولاشك كل من درس وتفقه في آداب الانجليزية في مراحل الطلب الاكاديمي و ثقف مع دراسته تاريخ انجلترا وتعمق في الدور الذي تؤديه لندن بالذات في ابداعات الانجليز وخاصة عند روائي كبير مثل تشارلز ديكنز كان الوجدان مفعما بمشاعر فياضة, ولكن كان الجيب على العكس من ذلك فلم يكن زعيمنا عبدالناصر يسمح لنا وقتها بأكثر من جنيهات قليلة, فقد كان همه الأول, معه كل الحق هو مجابهة الحصار الاقتصادي الذي فرضه الغرب على بلادنا والحفاظ على العملة الضنينة الصعبة لكي يبني بها مصانع ويستورد أدوات انتاج ومن ثم يوجد فرص العمل أمام أجيال طالعة, وهذا حقها, من الشبان والشابات. وفي الفندق المتواضع الذي حللت به عمدت الى انشاء صداقة مع أول انجليزي أقابله ولم يكن سوى أصغر موظفي الفندق من حيث المركز أو المكانة كيما أتخذه دليلا الى المطاعم المتهاودة وبل الى سبل الافادة من الخدمات المجانية أو شبه المجانية وكأنما أريد أن استغل حكومة جلالة الملكة أيما استغلال.. بدأنا بتعارف الأسماء فقال ان اسمه الكريم هو جون مكفرسون (وله رنين اسكتلندي) ثم أضاف أن لديه ابنا واحدا في التعليم الثانوي.. * ما اسمه يا سيد مكفرسون؟ (قلتها من باب التحبب والملق الاجتماعي طبعا). - اسمه سيّد. وهكذا كان أول مواطن أتعرف عليه في انجلترا كلها يحمل لقب (أبوسيد) لماذا يا عم مكفرسون.. لأن سيادته تعرف في زمن مضى على فنان مصري هو المرحوم (سيد بدير) وكان أيامها مخرجا كبيرا في الاذاعة البريطانية فأقسم برأس ابيه الاسكتلندي أن يطلق اسم المخرج العربي على فلذة الكبد وقرة العين وهكذا أضيف الى سجل مواليد صاحبة الجلالة اسما جديدا وطريفا هو مستر سيد مكفرسون.. وكنت قبلها قد أقمت في اليمن السعيد فترة تقرب من عام كامل.. وكان ذلك تكليفا في مطالع المهنة الاعلامية وشرخ الشباب الأول بالعمل في اذاعتي صنعاء وتعز.. عشت أيامي الأولى في صنعاء مشدوها أو كالمشدوه.. هذا بلد يكاد يفضح أصالته ويكاد المرء فيه يلامس حقب التاريخ. وحين دعاني زميل اعلامي كبير وهو المرحوم الأستاذ أحمد الرعيني الى غداء في بيته في سوق الملح.. دخلت المنطقة الشعبية من العاصمة وكأنني أدخل واحدا من الأسفار الكلاسيكية.. كأنما ركبت آلة الزمن التي تحدث عنها الكاتب الانجليزي هـ.ج. ويلز في روايته الشهيرة. ولكن في رجعة يتنسم فيها المرء عبير الماضي البعيد وحين قدم الأستاذ الرعيني ابنه وكان صبيا صغيرا قال: هذا هو أحمد أمين. وقبل أن استفسر عن حكاية أمين أضاف الأب الفخور أنه أطلق هذا الاسم على ولده تيمنا باسم الأستاذ أحمد أمين الكاتب الكبير زميل طه حسين وصاحب سلسلة فجر الاسلام وضحاه وظهره التي يؤرخ بها لتاريخ الحياة العقلية والتطور الحضاري للاسلام. وكان درسا بسيطا وبليغا للفتى الاعلامي الناشئ القادم من أرض مصر.. كان الأستاذ أحمد أمين قد رحل عن الدنيا عام 1954 ولكن ها هو اسمه يتجدد ويتألق ويكاد يولد من جديد في بقعة شعبية من سوق الملح من قلب عاصمة اليمن.. يومها قرأنا سويا الفاتحة على روح العالم الكبير الأستاذ أحمد أمين ونحسب أن حكايات الشامي والمغربي هذه لاتنتهي حيث المصادفات متواترة وبعضها غريب في حياة الناس. وكم من المناقشات كانت تدور في هدوء أحيانا وفي صخب وتوتر محسوب أحيانا أخرى بين العبد الفقير وبين صديق وزميل عزيز هو في الأصل مهندس مصري متخصص في مجالات الطيران والصواريخ وقد اختار أن يعمل في الأمم المتحدة في نيويورك وكانت المناقشات تدور حول عبدالناصر ودوره ومنجزاته وسلبياته.. وكنت أشعر أحيانا أن الزميل يتعامل في تقييم عبدالناصر من منطلق شعور بالمرارة أو الاحباط وربما التحامل في بعض الأحيان وكانت هذه المشاعر تذوب وتتلاشى بفضل ما كنا نحرص عليه من تواصل حبل الود الذي لا يفسده اختلاف الرأي ومن الانطلاق المستمر من موقف الاحترام المتبادل مع وجود الاختلاف وآه لو طبق العرب والمتنفذون اليعاربة مثل هذه المبادئ ساعتها تكسب أمتنا شيئا كثيرا. ذات يوم جاءني الزميل على استحياء يطلب مني صورة للزعيم جمال عبدالناصر وقبل أن أفيق من مشاعر الدهشة بادرني بصدق يقول: ان له قريبا يتدرب في إحدى القواعد العسكرية, في موقع بجنوب الولايات المتحدة. وكم كانت دهشة هذا المتدرب الوافد من مصر أن جاءه يوما كبير معلمي الدورة وهو أمريكي أسود يطلب منه صورة لجمال عبدالناصر كي يعلقها في بيته اعزازا للزعيم العربي واعجابا. ولسنا بحاجة يا مولانا للقول بأننا لم نكذب في المسألة خبرا.. وأن صورة (أبوخالد) مازالت فيما نتصور تزين قاعة الاستقبال في بيت ضابط أمريكي من جذور أفريقية لانعرف له اسما. وكم أسعدنا أن نسوق اليك هذه الحكاية على بساطتها, خاصة ونحن نحتفل هذه الأيام بذكرى ثورة ناصر في 23 يوليو, كما أن القوم يستعدون لاحياء ذكرى رحيله الى عالم الخلود منذ ثلاثين عاما من عمر هذا الزمان.