(أخطاؤك كإبن هي فشلي كأب) عبارة عظيمة ينطق بها قائد عظيم وفيلسوف في موقف يمثل قمة القوة وأدنى درجات الضعف. الأب هو (ماركوس أورليوس) امبراطور الروم الخارج منتصرا من معركة كبيرة مع الأعداء كانت الهزيمة فيها شبه محققة لولا شجاعة (مكسيموس) الجنرال القادم من أعماق الريف, من قرية لا يعرف أهلها سوى الفلاحة وحياة الريف البسيطة, لا يشغل تفكيره بعد انتهاء المعركة سوى العودة لأسرته المكونة من زوجة وابن لم يتجاوز العاشرة بعد أن مضى على مفارقته لهما عامان ومئتان وأربعة وستون يوماً وهذا الصباح كما أجاب حين سأله القيصر. أما الابن فهو (كومودوس) ذلك الفتى العربيد المغرور وضيع الميول الذي يصل بعد انتهاء المعركة ليجني ثمارها يدفعه أمل بأن يعلن والده العجوز التنحي عن العرش وتسليمه مقاليد الأمور قبل الرحيل المحتوم بعد أن بلغ من العمر أرذله ليفاجأ بما لم يكن يخطر له على بال إطلاقا.. وهو انتصار والده لمجد روما واختياره لمن يصنع هذا المجد ويحافظ عليه.. وهو القائد العسكري المنتصر (مكسيموس) الذي لم ير روما قطّ في حياته ولكنها تمثل له الرمز الذي يبذل حياته رخيصة من أجله, ولا يتوانى عن التضحية برؤية طفله وزوجته اللذين لا يفارقه طيفهما عندما يعرض عليه القيصر استلام زمام الأمور مقرا بفشله في إعداد ابنه لهذه المهمة العظيمة التي لا يصلح لها سوى قائد شجاع مخلص مثله. مشهد مؤثر من فيلم GLADIATOR (المصارع) لم يستغرق عرضه على الشاشة سوى بضع ثوان, ولكنه ظل ماثلا أمامي حاضرا في ذهني رغم توالي مشاهد أخرى عديدة لا تقل روعة ولا إثارة عنه, غير ان تداعيات هذا المشهد في الذهن كثيرة ومتنوعة تتعدى بكثير الثواني القليلة التي استغرقها. أول هذه التداعيات هو فجيعة الأب في ابنه, ثم اعتراف هذا الأب بالفشل في قيامه بالدور المطلوب منه.. وإذا كان قائد عظيم كالقيصر لا يعفي نفسه من المسئولية عن أخطاء الابن رغم المسئوليات الجسام الملقاة على عاتقه والمسائل الكبرى التي تشغله, فهل نجد نحن لأنفسنا العذر فيما لو وُضِعْنا ـ لا قدر الله ـ في الموقف نفسه ونلقي باللائمة على غيرنا متذرعين بكثرة مشاغلنا؟ سؤال محرج أرجو ألا يجد أي منا نفسه مضطرا للاجابة عليه. ولتفادي موقف كهذا هناك أمور كثيرة علينا أن نقوم بها وإلا وجدنا أنفسنا ننطق تلك العبارة التي قالها القيصر وهو يدير ظهره لانتصار عظيم حققه على الأعداء كي يواجه نفسه وهو يعترف بهذه الحقيقة المؤلمة لابنه ويبلغه القرار الصعب الذي اتخذه, فهل تراه يعاقب نفسه لفشله في إعداد ابنه لمهمة قيادة الامبراطورية؟ أم تراه ينتصر لمجد الوطن والحفاظ على مقدراته؟ كلا الأمرين ـ في تقديري ـ صحيح وإن كان الثاني هو الأرجح كفة والأقرب للمنطق والأكثر اتساقا مع شخصية القيصر كما يصورها الفيلم وكما وردت في كتب التاريخ. أما ثاني التداعيات فهو أمر عظيم تصعب الاحاطة به... الدخول إليه نوع من سبر أغوار النفس البشرية والتغلغل في أعماقها لمعرفة تلك الأسرار العصية على الفهم والادراك وفك رموز شخصيات القادة الذين تنقاد لهم الأمم والشعوب وتسلمهم زمام أمورها.. تأتمر بأمرهم.. وتتوسم فيهم تحقيق آمالها وصنع مجدها, إذ كيف يتأتى لواحد من ملايين البشر مهما أوتي من قوة أو حكمة أو علم أن يجمع حوله كل هذه الأصناف المتسقة والمتنافرة من الناس؟ النموذج الذي يقدمه الفيلم لامبراطور وفيلسوف رواقي اشتهر في الفلسفة بتأملاته وفي الحكم باخلاصه لواجبه, فعطف على الفقراء وخفف عنهم الضرائب, وتسامح مع أعدائه السياسيين, وحدّ من وحشية اللهو فمنع انتهاش الحيوان الكاسر لفرائسه البشرية على مرأى من المتفرجين كما كان يحدث في عهد من سبقوه, وحقق انتصارات أعادت للامبراطورية مجدها فأحبه الشعب والتف حوله. ولكن إلى أي مدى يستطيع الإنسان ـ الذي هو في موقع الحاكم هنا ـ أن يتجرد من نوازعه البشرية وطبيعته المفطورة غالبا على حب الذات والرغبة في الامتداد عبر أبنائه؟ هنا تكمن صعوبة الاجابة ويتكثف جلال الموقف وتتجلى القدرة على اتخاذ القرار المدوّي الذي ستكون له توابعه.. تلك التوابع التي شاهدناها في فيلم (المصارع) عندما يثبت لنا الابن بالفعل فشل الأب ويؤكد صدق مقولته فتدفعه شهوة الحكم إلى اسدال ستار كثيف على تلك العلاقة السامية وذلك الرباط الوثيق بين الابن وأبيه بعد أن يصل إلى درجة من اليقين بأن المُلْك خارج من يده لا محالة فيكون قراره الذي لم يتردد في اتخاذه وهو إزهاق روح أبيه ومكافأة القائد المحارب الشجاع (مكسيموس) باعتقاله وتكليف فرقة إعدام بقطع رأسه, وارسال فرقة أخرى إلى قريته لحرق حقله وبيته وقتل زوجته وابنه. ولأن الشر دائرة يتدخل القدر غالبا ليمنع اكتمالها فقد نجح (كومودوس) في قتل أبيه القيصر, ونجحت الفرقة التي أرسلها لاعدام عائلة (مكسيموس) في تنفيذ مهمتها, ولكن الفشل كان حليف الفرقة الأخرى المكلفة باعدام (مكسيموس) الذي يستطيع بذكائه وخبرته القتالية وقوته أن يخدع المكلفين باعدامه, وأن يقضي عليهم واحدا تلو الآخر لأمر ادّخره له القدر. ثالث تداعيات المشهد هو تلك النظرية التي تقوم عليها قيادة الشعوب والصراع الأزلي بين الدكتاتورية والديمقراطية, أو بين حكم الفرد وحكم الجماعة. وقد مثلها الصراع الخفي والمعلن بين (كومودوس) الذي أصبح قيصرا وبين مجلس الشيوخ الذي كان والده الامبراطور المغدور (ماركوس أورليوس) ينوي نقل السلطة إليه بالتدريج. ورغم ان هذا المجلس قد جاء منتخبا من الشعب فلا يغيب عن الصورة أيضا ان اختيار الشعب في بعض الأحيان لبعض ممثليه يجانبه التوفيق, وإن كان هذا لا يعني خطأ الفكرة أو يدفع إلى التنازل عنها, فعندما يكون الخطأ في التطبيق وليس في النظرية تكون معالجته سهلة, وعلى العكس من ذلك تماماً عندما يكون الخطأ في النظرية فيصبح القرار السليم هو الغاء الفكرة من أساسها والبحث عن البديل. رابع تداعيات المشهد هو أسلوب القيصر الجديد (كومودوس) في قيادة شعبه والتوجه إلى الغوغاء مخاطبا غرائزهم والضرب على وتر حبهم للهو خاصة ذلك النوع العنيف منه والمتمثل في حفلات المصارعة بين الوحوش الكاسرة والمصارعين من العبيد الذين يتم احضارهم واعدادهم لهذا النوع من أنواع المصارعة, أو بين متصارعين من البشر يتحتم على فريق منهما أن يسعى لقتل الآخر كي يضمن لنفسه الحياة, وهو ما كان والده قد قضى عليه. ورغم كل ما داسه (كومودوس) من مثل وقيم ومبادئ في طريقه للوصول إلى كرسي الحكم فإن نهايته تكون وسط أكبر مسرح معدًّ في روما لهذا النوع من الرياضات المتوحشة وعلى مرأى ومسمع من جموع الشعب الذي قرر أن يقوده بهذا الاسلوب ووسط تصفيق الحشود وتشجيعها لمكسيموس الذي قادته أقداره بعد محاولة قتله الفاشلة لأن يصبح واحدا من أولئك العبيد المدافعين عن حياتهم في حلبات المصارعة كي يتمكن من الانتقام لزوجته وابنه المغدورين ولمليكه الامبراطور (ماركوس أورليوس) الذي علّق عليه ذات يوم آمالا كبيرة كي يحافظ على مجد روما بعد أن فقد الأمل في الابن الذي اعترف له وهو يضمه لصدره للمرة الأخيرة في حياته بأن أخطاءه هي فشله كأب.. فكان المشهد المؤثر الذي جرّ كل هذه التداعيات.. لتبقى تداعيات أخرى تضيق عنها المساحة ولا يضيق عنها أفق فهمكم الرحب فاسمحوا لي بأن أحيل إليكم مهمة اكمالها.