يقيم في الحي القديم بالعاصمة الكوبية هافانا نوعية خاصة من السكان العصريين. ويضم هذا الحي قصرا يعود الى القرن التاسع عشر اعيد ترميمه ليضفي سحرا على شارع لامباريا الذي يضيف سحرا على الطبيعة الخلابة للعاصمة الساحلية. وخلافا لمعظم البنايات المميزة في هافانا القديمة فان هذا العقار الجميل بجدرانه التي طليت حديثا باللون الاصفر ونوافذه الزرقاء لم يتحول الى فندق او مطعم او مبنى سكني او اداري فخم او دائرة حكومية. وتحول المبنى بدلا من ذلك الى مركز جديد يقدم العلاج المجاني للاطفال الذين يعانون من اعاقات ذهنية. وخلال الاشهر الستة الماضية اقام في المكان 41 طفلا ما بين الثانية والثامنة عشرة واستفادوا من أحدث تقنيات العلاج التي تقدمها وزارة الصحة في الدولة الشيوعية. ويمثل هذا المركز ومستشفى مجاور يعالج مخاطر الحمل ودار لرعاية المسنين اقيما في دير سابق النتاج الاجتماعي لبرنامج الترميم الجاري في هافانا القديمة والذي يلقى ترحيبا كبيرا. وقال اوزيبيو ليال مؤرخ هافانا وهو مسئول رفيع في حكومة الرئيس فيدل كاسترو يشرف على برنامج الترميم لرويترز (لدينا الخبرة والادوات للمساهمة في تنمية المجتمع) . وترأس ليال المشروع المعقد والمكلف طوال ثلاثين عاما الا ان التنفيذ لم ينطلق الا في العقد الماضي. ويندهش زوار هافانا القديمة من الاجانب من الاصلاحات السريعة التي تطرأ عليها في كل زيارة لهم. وبعد الثورة الكوبية في 1959 حددت الحكومة الجديدة بزعامة كاسترو هدفها المتمثل في تجميد تطوير العقارات من اجل الحفاظ على الاجزاء القديمة من هافانا التي اسسها المستعمرون الاسبان في 1519. لكن في الوقت الذي حافظت فيه الحكومة على هافانا القديمة فانها لم تفعل الكثير من اجل وقف التدهور والانهيار التدريجي للكثير من المباني التي لم تطل ولو مرة واحدة طوال 40 عاما. وينحي المسئولون باللائمة في ذلك على الصعوبات الاقتصادية التي تواجههاالبلاد ويقولون ان سببها هو الحظر الامريكي في حين يقول منتقدو كاسترو ان السبب هو فشل السياسات الاقتصادية الاشتراكية التي يطبقها. ويقول ليال (هناك وقت محدود لانقاذ الاشياء والمباني والاماكن التي ستزول للأبد) . ويواجه ليال مهمة صعبة تتمثل في عامل الزمن وليس فقط بعض الاعاصير التي تتعرض لها واحدة من افضل التحف المعمارية التي تعود الى الحقبة الاستعمارية في امريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. وفي مقابلة بمكتبه الواقع قبالة دير سان فرانسيسكو الذي تم تجديده وترميمه (خلال الاعوام الخمسة الماضية احرزنا تقدما كبيرا) . وهناك دافع اقتصادي واضح للاسراع بحركة الترميم والتجديد اذ ان هافانا القديمة تعد من ابرز دعائم صناعة السياحة التي اصبحت شريان الاقتصاد الوطني الاول بعد ان تفوقت على قطاع السكر. واعرب سائح اسباني عن اعجابه ببلازا دي ارماس التاريخية (هذا المكان لا يمكن التعرف عليه فلقد اتيت هنا منذ خمسة اعوام ولقد تغير كثيرا الان) . ويزور هافانا القديمة سنويا مئات الآلاف من السياح معظمهم من كندا واوروبا الا ان المسئولين الكوبيين سارعوا الى الاعلان عن ان البرنامج لم يتجاهل سكان المنطقة البالغ عددهم 70 الف نسمة وان كل شيء (يتم من اجل صالح سكان هذه الشوارع) على حد قول احد المسئولين. والهدف هو ابقاء سكان هافانا القديمة في اماكنهم مع تحسين احوال منازلهم تدريجيا بعد ان اصبح بعضهم متكدسين بشكل فظيع. وفي بلازا فيخيا على سبيل المثال تم اجلاء السكان مؤقتا ريثما يتم ترميم منازلهم التي اصبحت تطل على ساحات جميلة وهادئة. وقالت احدى الساكنات (دعنا نرى كيف سيصلحون هذه المنازل لقد اصبح من الصعب الحياة فيها) . وبينما ينصب الاهتمام حاليا على هافانا القديمة وبوليفارد مالكون القريب من الواجهة البحرية فان اكبر عملية ترميم منفردة تمت قبل عقود وتضمنت قلعة مورو المطلة على خليج هافانا وقصر جنرال كابتنز الكبير. ولم تمتد بعد عملية الترميم الى اجزاء اخرى من هافانا كما ان المنطقة المجاورة لهافانا القديمة والتي تسمى بوسط هافانا لا تزال تمثل قنبلة موقوتة. ورغم ان الكثير من الكوبيين يعربون عن الاعجاب بعملية الترميم والتجديد في هافانا القديمة الا انهم يهمسون بأن الاهتمام منصب على الاماكن التي يرتادها السياح الاجانب. الا ان هناك العديد من المباني والكنائس في هافانا القديمة لم تمس ايضا. ويعترف ليال الذي يرأس فريقا من ستة آلاف شخص قائلا (لا يزال امامنا الكثير من العمل ولايزال نصف هافانا اطلال) . وستكلف عملية الترميم في هافانا القديمة هذا العام نحو 30 مليون دولار يأتي معظمها من تأجير المباني ويأتي جزء من التبرعات الخارجية. رويترز