نظراً لأهمية ما تعرضه الفضائيات العربية من برامج (عظيمة) فقد تابعت برنامجاً عن العارضة السوبر كلوديا شيفر, ليس لهوسي بالنحافة, ولكن لأن ما تقدمه الفضائيات ليس بأفضل من هذا البرنامج أولاً, وثانيا لأنني أريد ان أعرف أي استثمار عظيم للجسد البشري يدرُ تلك الملايين من الدولارات على نساء أو أشخاص نحافتهم تشبه عيدان القصب في حقل أجرد! ذلك البرنامج تضمن توثيقاً لتفاصيل حياة كلوديا شيفر, وهي عارضة أزياء ألمانية تجاوزت الثلاثين من عمرها, شقراء, طويلة, بشفاه ممتلئة, وعيون ملونة, أراد صانعو البرنامج ان يعرفوا الناس بحياة هذه المرأة الأسطورة عبر رصد طريقتها في الطعام وأسلوبها في الراحة وهواياتها (الفاشلة.. لأنها لا تجيد التنس ولا ركوب الخيل حسبما ادعت) , وكذلك مواقيت نومها, وذهابها إلى الحمام وعلاقتها بمحيطها العائلي (انفصلت كلوديا عن أسرتها عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها), وحبها للكلاب والقطط, وقطعا هي لم تتزوج ولم تقع في الحب ولم تفز بموعد غرامي مع صديق لأنها كانت مشغولة عن العالم بجسدها, وعملت على استثماره طولاً ونحافة وشحوبا دون ان تدرك ان استثمارها هذا لن يصمد أكثر من أربع أو خمس سنوات مقبلة وبعدها سيصبح (كباقي الوشم في ظاهر اليد) ولن يبقى منه سوى تلك الصور العارية أو الغلالات الرقيقة التي لن تستر منه إلا هزالا مقيتا يوما بعد يوم. تابعت ذلك البرنامج منقادا خلف فضولي لأعرف ماهي الرسالة التي يحملها, أو ما هو الهدف الذي يصبو إليه, فلم أجد سوى جمل بصرية لأزياء عرضتها كلوديا طيلة الأعوام الماضية, ووصلت إلى نتيجة مفادها ان صناعة الجمال بصريا أصبحت مرعبة لما تحمله من ارهاب نفسي ينسف مفاهيم الجمال الروحي الذي نفترضه لدى الآخر وخاصة عندما يكون هذا الآخر (أنثى) . وعليه يمكن القول ان أبناء القارة السمراء أكثر تصالحاً وفهما للجمال وأكثر تقديرا له, لأنهم ببساطة يمتلكون تقريبا نفس الملامح الأساسية للأنف والشفاه ولون البشرة والشعر والعيون, وهم بذلك يتساوون أمام الجمال كقيمة انسانية عالية وليس كشكل خاوٍ آيلٍ للزوال بعد سنوات قليلة, ولن يجدي نفعاً ان نقايس جمال الداخل بجمال الخارج لأن المعادلة ليست متكافئة, فالداخل ثابت والخارج متغير ومتبدل, وإذا كان برنامج عن كلوديا شيفر سيدفعنا إلى هذه النتيجة, فقد حقق البرنامج غايته ولكن هذه ليست الحقيقة, لأن برنامجا دعائيا ترفيهيا كهذا ترعاه مجموعة شركات عملاقة تروج من خلاله مفاهيم سطحية لصناعة الجمال رأسمالها الأزياء التفاهة والأصباغ الصارخة, والأضواء الباهرة التي قادت آلاف الفتيات إلى تقليد العارضات تقليداً أعمى أوصلهن إلى المرض أو إلى القبح وخير دليل على ذلك مجموعات من الهزيلات في أغاني الفيديو كليب العربية يقمن بحركات رياضية خلف المغنين كاشفات سررهن الموشومة, وكل ذلك بفضل كلوديا وصديقاتها وتلفزيوناتنا المحترمة! حسين درويش