جميل زمان الرطب نعم هو حار, وحار جدا, فيه الرمضاء, فيه ينعدم الظل, وفيه العطش. لكنه جميل بالرطب. كل المواسم عند انسان هذه الارض واحدة, لا فرق بينها سوى هذا الموسم, انه مميز يكرهه وفي ذات الوقت يملك الوله له وعشق انتظاره. ينتظر موسم الرطب ليس حبا في هذه الفاكهة, انه لا يأكل منها الكثير, حبات معدودة في اليوم او قد لا يأكلها في دواخله, يسعده ان ينتظر يومها, وينظر الى هامتها الطويلة, يشاهد عذوقها المتدلية, وهي تتلون, تنضج, تعطي بسخاء كل من يمر امامها, لا تأمره ان يصعد لها وان لم يقدر على ذلك انما رمت له خيرها على الارض, انها كريمة جدا. في موسم الشتاء, عندما يعتدل الجو وتبرد الارض, تنبت اشكال وانواع من الخضروات والخيرات, لكن الانسان هنا لا يطرب كثيرا بالموسم والانتاج الوفير, لا تشعر فيه بالفرح ولهفة ترقب الرطب, فالنخلة لها مكانة اخرى. انها عنده تسكن القلب. ورغم ان المقيظ يحمل مع الرطب خيرات عديدة مثل: اللومي, والسفرجل, والهمبا, وغيرها من ثمار رفقاء النخلة, الا ان الوصف والانتظار للرطب وحده. هذا العشق القديم الثابت لهذه الرفيقة, يرتبط بذكريات تولدت وكبرت في حضرة النخلة, ففي زمان الجوع كانت زادهم الاول في كل ايام السنة, يأكلون ثمارها رطبا في موسم النضج, وتمرا مخزونا على مدار العام. ومنها يبني الرجل بيته, وعلى حصير خوصها ينام ويتدفأ في الليالي الباردة, فكل مكوناتها مفيدة, ومهمة لساكن الصحراء. اكثر من هذا ان النخلة تختزن بعض قلب انسان هذه الارض, ففيها كثير من شبابه وعشقه واحلامه, فيها ذكريات الرحلة اليتيمة التي يقوم بها سكان الصحراء والساحل نحو الواحات, يبحثون عن ظل النخيل والماء والرطب, يقيظون, يتعارفون, يتركون اياما جميلة, يحملونها في قلوبهم ويودعونها النخلة, على امل العودة في قيظ مقبل. شعراء الماضي خلدوا روائع تتحدث عن رحلة الصيف هذه, عن النخلة, تجد ابياتا متناثرة او قصائد, متكاملة تصف جمال ليالي هذا التجمع والاثر الذي تتركه في نفوس هؤلاء الراحلين بعد ان يودعهم الموسم. في احدى روائع الشاعر بن ظاهر وصف رحلة النخلة مع ثمرتها كيف تبدأ, كيف تكبر هذه (الخلالة) الخضراء الصغيرة, كيف تصبح رطبة ناضجة, يقول في بعض ابياته: تطيب المفالي من اول وتالي وطاب الزلالي عمار النخيل الى زل من موسم الصيف شهر تناسع ذراها بطلع ثليل حسينٍ فقا بين قلب وكرب ومن له نظير لقاح العطيل وطهيه نضا لا بشوي وطبخ مقات الضعافا وطعم السبيل في رائعة اخرى يتيمة دونها الشاعر حمد خليفة بوشهاب في (تراثنا من الشعر الشعبي) وهي للشاعر عبدالله بن السيد احمد, فإن النخلة اكبر منها شجرة معمرة, انها تاريخ ورمز, يتحدث من خلالها عن اصحابها الذين رحلوا, والحزن الذي ولده هذا الفراق, ويعود لها ناصحا ألا تتعذب اكثر, ان تلحق برفاقها, تموت مثلهم. الشاعر عبدالله بن السيد يخاطب النخلة الرمز وهي من نوع (الخشكار) تسكن وحيدة امام حصن زايد بن خليفة. يقول الشاعر: يا (خشكارة) خليفة شوف الدهر خلاج فارقتي لج وليفة مثل الونيس احذاج فرقا اللاما كليفة الله يحسن عزاج ان عاد شفتي شيفه والا الحقي بخواج ما في الدنيا صريفة الا كثرة وزاج! جيل اليوم بالتأكيد يعرف هذه النخلة الجميلة التي تزين الشوارع والحدائق وقد يزرعها في بيته, وقد يأكل فاكهة الرطب, لكنه يجهل ان النخيل انواع, وان الرطب انواع واشكال. اهل النخيل لم يكونوا ينتظرون ان يأتي الموسم ليتعرفوا على النخلة من رطبها ويقولون من شكل ولون حبة الرطب انها نغالة او خشكارة او برحي او هلالية, يكفي ان يلمس احدهم خوصة النخلة ويقول لك نوعها, وعمرها. يحتاج جيل اليوم جرعة ثقافة عن الارض. عن النخلة.