نزلت باريس أول مرة عام تسعة وسبعين من القرن الماضي, وخلال الزيارة الأولى عرفت طريقي الى مكتباتها, أعني تلك التي تبيع الكتب وليست المكتبات العامة التي يقصدها الباحثون والقراء للاطلاع على نفائس الاصدارات غير المتاحة, وأشهر مكتبة عامة في فرنسا, المكتبة الوطنية بشارع الكاردينال ريشيليو القريب من دار الأوبرا العتيقة, وفي زمن الرئيس فرانسوا ميتران أنشئ المقر الجديد للمكتبة الوطنية في الحي الثالث عشر وقرب ضفاف السين المكتبة القديمة مرتين, الأولى للقاء المستعرب الفرنسي عاشق حضارتنا أندريه ميكائيل عندما كان يتولى رئاسة المكتبة الوطنية, وهذا منصب من أجل المناصب وأرفع المراتب في فرنسا. وكان ذلك عام خمسة وثمانين, والمرة الثانية لأشاهد معرضا أقيم عن الأرض, وفيه عرضت أقدم الخرائط والكتب التي تناولت جغرافية الأرض وتضاريسها, وكانت خريطة الشريف الادريسي للعالم تتصدر المعرض, كل الخرائط والكتب المعروضة من مقتنيات المكتبة الوطنية, في نفس الوقت, كان يقام معرض في المكتبة الوطنية الجديدة عن السماء, وضم الخرائط القديمة والحديثة للنجوم والأبراج والمجرات, كذلك وسائل الرصد المختلفة, ومن المعرضين اقتنيت كتابين, الأول عن الأرض, والثاني عن السماء, يحويان ما تم عرضه, وهذا شأن كافة المعارض التي تقام في أوروبا, فلكل معرض (كتالوج) يعرض المحتويات ويفسرها بمقالات ودراسات يكتبها كبار الاخصائيين. منذ زيارتي الأولى التي تمت منذ واحد وعشرين عاما, وخلال اسفاري المتتالية الى باريس على الأقل مرة في العام, اعتدت توزيع وقتي بين المكتبات والمتاحف, لماذا المكتبات وأنا لا أتقن الفرنسية؟ لا أقرأ بها فلماذا أنفق الوقت في الفرجة على الكتب بلا ملل أو كلل؟ في البداية كنت أبحث عن كتب الفن الاسلامي, خاصة تلك التي تحوي صورا دقيقة, مطبوعة للمنمنمات الفارسية والشرقية عموما من هندية وتركية وفنون آسيا الوسطى, وهذه النوعية من الكتب نادرة في المكتبة العربية, بسبب ارتفاع تكلفتها وقلة الطلب عليها, وإن كان قد طبع في مصر عدد منها خلال العشرين سنة الأخيرة, واحتفظ في مكتبتي بنسخة نادرة من كتاب صغير الحجم, نفيس القيمة, طبع في نهاية الخمسينيات, يضم مجموعة نادرة من المنمنمات الفارسية للأستاذ بهزاد الايراني الذي عاش في القرن السادس عشر وتحتفظ دار الكتب المصرية بمخطوط نادر لبستان سعدي الشيرازي يتضمن تلك المنمنمات التي كانت ترسم خصيصا لتزيين الكتب, قدم لهذا الكتاب الدكتور محمد مصطفى مدير متحف الفن الاسلامي, ولكن اللوحات الملونة كانت تطبع في المانيا وقتئذ, وإن كانت المطابع المصرية والعربية قد بدأت تخرج خلال السنوات الأخيرة مستويات جيدة من هذه المطبوعات. في كل مكتبة باريسية قسم خاص لكتب الفن, ثم بدأت اكتشف خلال تجوالي, خاصة في الحي اللاتيني, مكتبات متخصصة في هذه الكتب, بل أن هناك تخصصا داخل التخصص, فإلى جوار مركز بومبي دو الثقافي مكتبة متخصصة في كتب الفن الحديث خلال القرن العشرين. وقرب شارع جاكوب الذي يوجد به مقر ناشري الفرنسي (اديسيون لوسوي) توجد مكتبة متخصصة في فنون العصور الوسطى ومنها المنمنمات الفارسية والتركية. وقد اقتنيت من هذه المكتبة مجلدات نادرة في الفن الفارسي . بعضها طبع في نهايات القرن التاسع عشر, وبالطبع أسعار هذه الكتب مرتفعة جدا. لكنني في مواجهة كتاب لا أتردد ولا قدر لي أن أكون في حاجة الى ملابس وأجد نفسي مضطرا الى شراء كتاب يهمني. فإنني أؤجل أمر الثياب ولا أقدم على تأجيل اقتناء كتاب أبدا. لا أهدأ إلا إذا أصبح الكتاب الذي أريده مستقرا في مكتبتي, في متناولي, يخصني, الرغبة الوحيدة القوية التي سيطرت علي تتعلق بالكتب ولا شئ عداها, عرفت بالتجربة والبحث, بدون أن يخبرني أحد من أصدقائي العرب أو الفرنسيين, أن المكتبات تعرض الطبعات القديمة في أقسام خاصة وبأسعار زهيدة جدا بالقياس الى أسعارها الأصلية, فإذا كان السعر الأصلي للكتاب ألف فرنك فإنه يعرض بمئة وخمسين على سبيل المثال. في الحي اللاتيني عدد من المكتبات متخصص في بيع هذه الطبعات, وأمام سلسلة مكتبات جيبير الشهيرة مناضد توضع عليها كتب الفن وكتب التاريخ وكتب الحضارات والمدن, وتباع بأسعار مخفضة, واكتشفت فيما تلى ذلك سلسلة مكتبات تنتشر في فرنسا اسمها (الموناليزا) متخصصة في بيع كتب الفن القديمة. كلمة قديمة هنا مجازية, فالكتب معروضة بحالتها الجديدة, مغلفة, لم تفض, وبعضها صادر العام الماضي فقط, التخزين هنا مشكلة, وأحيانا يكلف أكثر من ثمن البضاعة نفسها, والمطابع هنا تعمل بهمة ونشاط وتدفع يوميا بالجديد, وفي احدى المكتبات سألت عن كتاب معين للفنان ماتيس يضم عددا من لوحاته الموزعة في أنحاء العالم. وبدأت البائعة الحسناء تبحث في الحاسب الآلي عن العنوان. ومن خلال بحثها عرفت أنه صدر عن ماتيس خلال السنوات الخمس الأخيرة خمسة وستون كتابا, بعض هذه الكتب مجلدات ضخمة, بدأت أتعامل مع هذه الكتب المخفضة, إنني أريد اقتناء صور لأعمال الفنانين الكبار, بالنسبة لي ليس مهما أن يكون الكتاب صادرا هذا العام, أريد اللوحات, ليس مهما أن يكون الكتاب صادرا هذا العام أو العام الماضي أو منذ خمس سنوات, ومن خلال هذه الأقسام المخفضة استطعت تكوين مكتبة ثرية جدا في الفن التشكيلي, وهذه المكتبة تظهر بعض محتوياتها لقراء جريدة (أخبار الأدب) أسبوعيا. من خلال جولاتي اكتشفت اهتمامهم بالفوتوغرافيا, بفن التصوير, ثمة كتب تقدم أهم صور للمشاهير, وأهم صور للأحداث منذ اختراع آلة التصوير, وأهم صور التقطت خلال عقد كامل (بدءا من العشرينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي) وثمة كتب لمصورين مشاهير, مثل نادار الذي عثرت له على كتاب نادر يضم صورا للشخصيات التي عرفها مارسيل بروست واستلهم منها شخصيات أبطاله في (البحث عن الزمن الضائع). هذه الكتب في فن التصوير تقدم أرشيفا حيا بالصورة, أرشيفا للذاكرة البصرية, بدأت في اقتنائها بأسعار زهيدة, الكتاب الذي يضم أشهر صور العشرينيات على سبيل المثال ويقع في خمسمئة صفحة, يباع في المكتبات التي تعرض الطبعات القديمة بخمسين فرنكا فرنسيا (بالسعر الحالي خمسة وعشرون جنيها مصريا) وأيضا (خمسة وعشرون درهما اماراتيا) فما أرخص وما أروع! أي كتاب يمكن العثور عليه في المكتبات حتى لو كان صادرا قبل عدة سنوات, حدث أن كنت في الجنوب الفرنسي, مدينة صغيرة اسمها (ست) قريبة من مونبيليه, تعداد سكانها عشرة آلاف نسمة, أشهر ما فيها قبر بول فاليري والمتحف المقام خصيصا له, دخلت مكتبة صغيرة, وخطر لي أن أسأل عن كتاب لجاستون بلاشير الفيلسوف الظاهراتي, الذي عرفنا المرحوم غالب هلسا بكتاباته الفريدة, عندما ترجم كتابه عن (المكان) كما قرأت كتابه عن أحلام اليقظة بالانجليزية, كنت أعلم أنه كتب عن (الماء) وتمنيت لو ترجم ونشرت فصوله في (أخبار الأدب) ثم صدر في كتاب, سألت مدير المكتبة عنه بدافع (لعل وعسى). بدأ يضغط أزرار الحاسب الآلي, ثم تطلع الى الشاشة, بعد لحيظات وقال: (الكتاب ليس موجودا عندي حاليا, عندي كتابان له, الأول عن الزمن والثاني عن الظواهر الطبيعية, أما الماء فيمكنك الحصول عليه غدا صباحا..). قلت إنني مغادر غدا ظهرا الى مدينة (أجد) القريبة, قال بثقة: (في العاشرة ستجده..). في العاشرة من صباح اليوم التالي قدم الي الكتاب, صحيح أن الكتاب صدر عام خمسة وأربعين, لكن ثمة دور نشر متخصصة في توفير الكتب المهمة التي صدرت عبر التاريخ الانساني نفسه, تعيد طبعها, وبالتالي يمكن الحصول على أي كتاب صدر في الماضي, أما شبكة الحاسب الآلي فتكفل أيضا نظام اتصالات فعال بين المكتبات وبعضها البعض وأماكن التخزين, أما سلسلة مكتبات (فناك) العملاقة فيمكن أن يجد فيها الانسان أي إصدار يريده, وكذلك الاسطوانات المضغوطة, موسيقى العالم كافة. رغم كثرة المكتبات وتنوعها, فالتنافس محكوم بقانون خفي وعرف صارم, حدث أن عثرت على كتاب ضخم صادر حديثا يضم الأعمال الكاملة لرسام سويسري اسمه بالتوس, عولمة غريبة, محورها الفتيات الصغيرات, كان الكتاب معروضا بسعر مرتفع, ألف وأربعمئة فرنك فرنسي, وهذا سعر مرتفع طبعا, قلبت الكتاب طويلا, واحترمت صبر مدير المكتبة التي تقع بالقرب من (سنتر بومبيدو الثقافي) ترددت قليلا, ثم تذكرت أن مكتبات جيبر تعلن عن تخفيضات هائلة للكتب, وذهبت الى سان ميشيل, ورحت أقلب الأرفف التي رصت عليها كتب الفنانين طبقا للحروف الأبجدية. الكتب الساري عليها التخفيض تحمل علامة صفراء, لمحت الكتاب, كان خاليا من أي علامة صفراء, وكان السعر الموضح عليه نفس السعر, عندئذ عدت الى المكتبة المتخصصة في الفن الحديث لأشتريه من صاحبها الذي أبدى صبرا جميلا على طول تأملي, أقصد.. ترددي.