التعصب هو الملمح اللافت من ملامح ثقافتنا المعاصرة, خصوصا في خضوعه لهيمنة الاتجاه الثقافي السائد بكل تياراته المتنافرة والمتصارعة. ويستمد هذا التعصب ما يساعده على الوجود والنماء من منابع متعددة. أولها الموروثات الاجتماعية الجامدة التي تجعل من التعصب الوجه الآخر من العصبية, خصوصا في معانيها التي تستبدل الانحياز المطلق للعائلة أو العشيرة أو القبيلة بالالتزام الحديث بقيم الدولة المدنية, خصوصا تلك القيم التي تعتمد على الحق والعدل ومصلحة الجماعة أو الأمة. وفي هذا البعد من التعصب, يسقط التميز الفردي, والحق الموضوعي, والجدارة التي تعلو على التحيز, وتحل محلها علاقة السلطة المحتكرة في دائرة الدولة. والمسافة قريبة جدا بين قيم التعصب بمعناه الاجتماعي الجامد وقيم الانحياز الجاهلي بالمعنى الذي صاغه دريد بن الصمة قديما, حين قال بيته الشهير: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت, وإن ترشد غزية أرشد وذلك هو المعنى الذي نقضه الإسلام, حين قلب دلالة المثل الجاهلي: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) رأسا على عقب, فكان نصر الأخ الظالم برده عن ظلمه, ونصره مظلوما برفع الظلم عنه. وكان هذا الانقلاب خير تعبير عن روح الإسلام العادلة التي جعلت المسلمين جميعا كأسنان المشط, كلهم لآدم وآدم من تراب, بلا فارق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. لكن مع ذلك, يمكن أن نتحدث عن العصبية الدينية, لا من حيث هي خاصية متأصلة في الأديان, فالأديان كلها, وخصوصا الإسلام, تنبني على التسامح والمجادلة بالتي هي أحسن, والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف, القبول أو الرفض, دون منازعة حقه في الوجود المباين والاعتقاد المغاير, وإنما من حيث هي - أي العصبية - خاصية يمكن أن تلحق فهم البشر للأديان وطرائق تأويلهم لها. وهنا, توجد أخطر ألوان العصبية وأشدها فتكا على امتداد عصور التاريخ. ويحدث هذا النوع من التعصب حين ترى مجموعة بعينها, في زمن تاريخي بعينه, ولأسباب مشروطة باللحظة التاريخية نفسها, ان الفهم الذي انتهت إليه لدينها هو الفهم الوحيد الصحيح, وان تأويلها للدين هو التأويل الأوحد الذي لا يمكن لغيرها الخروج عليه. عندئذ, تفرض هذه المجموعة فهمها على كل من حولها بوصفه الحقيقة التي تحل محل الدين في التمسك بها, فتفرض المجموعة تأويلها على غيرها بوصفه البديل عن الدين. ولوازم التعصب في هذه الحالة هي قمع الآخرين, واتهامهم بالخروج على الدين الذي ليس في حقيقته سوى خروج على الفهم البشري أو التأويل البشري لجماعة أو فرد. وسرعان ما تجمع لوازم هذا النوع من التعصب بين الكلمة والفعل, أو تجعل من الكلمة دافعا على الفعل الذي ينفي الاختلاف ويلغيه, ويستأصل حضور المختلف ويقضي عليه. وبقدر ما يختفي مبدأ المجادلة بالتي هي أحسن, في هذا النوع من التعصب, يحل محله مبدأ المجادلة بالتي هي أقمع, والاندفاع وراء الحد الأقصى للتعصب, خصوصا في حضوره الذي يتحول إلى ارهاب, أو إلى فتن وحروب طائفية واعتقادية, لا ينتج عنها سوى ضعف الجماعة وتقلص دورها في التاريخ. وعادة, ما يجد هذا النوع من التعصب ما يدعمه في طبائع الاستبداد التي تحدث عنها عبدالرحمن الكواكبي في كتابه الذي يحمل عنوان (طبائع الاستبداد) . وهو كتاب فريد في ثقافتنا العربية الحديثة, سواء من حيث تحليله لنفسية المستبد ونفسية الذين يخضعون لاستبداده, أو من حيث توضيحه الشروط التي تؤدي إلى شيوع طبائع الاستبداد وتغلبها. والاستبداد في تقديري هو الوجه الآخر من التعصب, أو هو النتيجة السياسية له, ذلك لان المتعصب هو الذي لا يرى صدقا وحقيقة وصوابا إلا رأيه هو, وبما انه لا يخامره شك في هذا الرأي, فإنه يسعى إلى فرضه على غيره, ولا يقبل الشك فيه, أو وضعه موضع المساءلة. وإنما يقبل الطاعة المطلقة والتصديق الكامل والاستجابة الموجبة. ويعني ذلك الغاء الحوار وحق الاختلاف أو المعارضة, ومن ثم غلبة الصوت الواحد الذي لا يقبل له شريكا أو نظيرا أو مخالفا أو سائلا. وينتهي الأمر بصاحب هذا الصوت إلى الاستبداد المطلق بالآخرين نتيجة ما انطوي عليه من تعصب وصل إلى حده الأقصى. ولذلك يجد التعصب بكل ألوانه ما يدعمه في غياب الديمقراطية السياسية وتجذر طبائع الاستبداد بكل تجلياتها لعصور طويلة, فضلا عن الموروث الذي ينزل المخالف للجماعة منزلة ابليس من البشر, وذلك جنبا إلى جنب الموروثات التسلطية الشيوعية أو القومية التي تنزل المختلف منزلة الخائن أو العميل أو التحريفي على أقل تقدير. ويتجلى المظهر العملي لهذا التعصب, خصوصا في ممارساته المتطرفة, في نوع من الأصولية الشائعة التي تتمثل في الاستجابات الحدية العدائية للتيارات الفكرية المختلفة الموجودة في المشهد الثقافي العربي بكل تياراته التي تجمع ما بين التوفيقية والسلفية والقومية والعقلانية والعلمانية. وهي تيارات لا تخلو من حضور التعصب في نزعاتها الحدية التي لا تقبل المساءلة, ولا تعترف بالاختلاف وتظهر أصولية هذه النزاعات في ادعاء احتكار الحقيقة والمعرفة اليقينية, والثبات الجامد في اتباع الأصل وتجريم كل خروج على تأويله الوحيد, وانزال هذا التأويل منزلة المعتقد الديني الذي لا يجوز الخروج عليه أو الاختلاف عنه. ومن ثم إلزام الجميع بطاعته وتصديقه طاعة عمياء لا يخامرها شك, وتصديقا لا يخالطه سؤال. ويوازي تعصب الاتجاه السائد, في أصوليته, ما يلازمه من نزعة اقصاء متكررة, تتجلى في ممارسات تيارات الاتجاه المتنافرة في علاقة كل تيار منها بغيره, ولذلك تغلب رغبة رفض الآخر على رغبة قبوله في تيارات هذا الاتجاه, وقسر الآخر على تقبل الرأي بدل الحوار معه فيه, وبدء عملية الحوار من موقع رغبة الاستحواذ التي تنتهي برغبة الاستئصال للمختلف. وربما كانت أبرز مظاهر أصولية التعصب, أو تعصب أصولية الاتجاه السائد في المشهد الثقافي الراهن, ممارسات العنف التي نرى تجلياتها الأخيرة, الحدية, في جرائم التطرف الديني الذي ينتهي إلى الارهاب في ممارساته الاعتقادية. تلك الممارسات التي تتميز بالطابع التسلطي القمعي نفسه, الذي تميزت به - ولا تزال تميز - الأنظمة العسكرية وشبه العسكرية التي كان لسقوطها المدوي أثره في خلخلة حضور المشروع القومي الذي لم يخل من تسلطية العنصر التكويني, والذي أتاح سقوطه الفرصة لصعود دعاوى التطرف الذي يختفي وراء أقنعة الدعوة إلى الدولة الدينية, وذلك بهدف ملء الفراغ الذي حدث مع توابع زلزال هزيمة العام السابع والستين. وأتصور ان ممارسات العنف العاري - أو الدموي - لارهاب جماعات التطرف الديني هي الوجه الموازي لممارسات العنف نفسها التي تمارسها الأنظمة التسلطية على معارضيها في هذا القطر أو ذاك من أقطار الوطن العربي. والنتيجة المباشرة, أو غير المباشرة, هي هيمنة خطاب العنف الذي يتسلط - بدرجات متفاوتة لا تنفي معنى التسلط - على مجادلات ومناقشات المشهد الثقافي العربي الراهن. ويبدو الأمر - من هذا المنظور - كما لو كانت اللغة المستخدمة بين المتحاورين تعيد انتاج ممارسات العنف في علاقاتها الدلالية والتركيبية والمعجمية والايقاعية, وتصوغ موازيات بالكلمات لأفعال العنف العاري التي تهدف إلى الغاية نفسها من القسر والفرض, التخويف أو الترغيب, النفي أو الاقصاء, أو حتى الاستئصال, فخطاب العنف هو استخدام قمعي للغة التي يستخدمها الاخوة الأعداء من أبناء التيارات المتصارعة, ليقمع كل واحد منهم نظيره, وذلك في الفعل اللغوي الذي يعيد انتاج الفعل المادي للعنف, وفي العملية نفسها التي ينعكس بها قمع الدولة التسلطية على مثقفيها, فيعيدون انتاج القمع فيما بينهم, حالهم في ذلك أشبه بحال المرآة التي تعيد توجيه مسار الضوء الواقع على صفحتها, وذلك بواسطة الكلمات التي تصبح دليلا على حوارات المقتولين القتلة.